محاضرات النقد الأدبي المعاصر

 

لطلبة السنة الثانية لسانس

 

الدكتور/ عبد الفتاح جحيش

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأصول المعرفية للنقد المعاصر

 

1-الفلسفة الظواهرية: هوسرل(1859-1938م) وإنغاردن(1893-1970م)

    وهي أكبر تيار فلسفي ظهر في مطلع القرن العشرين مع الفيلسوف الألماني "إدموند هوسرل"، وأبعدها أثرا في الفكر والأدب والنقد المعاصر، وامتد سلطانها إلى علم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الأفكار، لذلك يكون من الصعب الإحاطة بهذه الفلسفة، وسنكتفي هنا بتعريف الطالب بأهم ركائزها وفق ما طرحه هوسرل لما لها من أهمية كبيرة في بناء النقد العربي المعاصر في كثير من مناهجه النقدية.

    نشأت الفلسفة الظاهراتية كرد فعل على المناهج العلمية الموضوعية والتجريبية (المادية) التي تهمل الذات وتجعلها عاجزة عن إنتاج المعرفة أمام ذلك السيل الكبير من الفتوحات العلمية التي حققها المنهج العلمي فيما بين الحربين العالميتين، حتى لقد أحس الإنسان حينئذ أنه لم يعد في حاجة إلى النزعات الذاتية غير المستقرة، ولم يعد يعبأ بنتائجها غير القابلة للوصف والقياس.

    لقد سعت الظاهراتية إلى رأب الصدع الذي اتسع بين الماديين المزهويين بالفتوحات العلمية وبين المثاليين المتمسكين بتصوراتهم الحالمة المعلقة في السماء، حيث كان مبدأ هوسرل الأساسي هو "العودة إلى حقيقة الأشياء نفسها" لإعادة بناء الوعي واستعادة الذات التي أبعدها الماديون، والظاهراتية بذلك ليست دراسة وصفية كما وصفها نبيل راغب، إنما هي إحساس شعوري قصدي خالص ينبع من الذات تجاه موضوع محدد في ما يمكن وصفه بالحدسية بعيدا عن الترصد والاستعداد، إنها أقرب إلى الإلهام والحدس منها إلى الموضوعية، لأنها ترفض التجارب السابقة التي تمت من قبل بين الذات وموضوعها، إنها تنطلق من المعاينة المباشرة للظواهر كما تتجلى في الوعي، وكما يعيشها هذا الوعي المنبثق من لحظة إلهام مفاجيء دون اعتماد أية معطيات، لذلك سماه "ظاهرة"، لأن ما يجعل من هذا الحدس الخاص ظاهرة هو حضورها الكلي في بنية الوعي القصدي من خلال الانفعال بالموضوع الجديد، وتنتج العلاقة بين الذات والموضوع القصدي معنى موضوعيا جديدا يطمح هوسرل في أن يكون معرفة فلسفية دقيقة، وقد اعتبر هذا المعنى الجديد موضوعيا لأنه نتج على نحو حدسي بعيدا عن أحكامنا السابقة وعن تجاربنا القبلية، فيصبح فعل الإدراك مع موضوعه في عملية "تضايف" مما يجعلنا نؤجل كل الاحكام والتعليقات السابقة عليه، وأصب اهتمامي على الموضوع الجديد بزمانه ومكانه وبحالتي الشعورية الانفعالية، ومثال ذلك تفتح زهرة معينة يجعلني أؤجل كل التفسيرات التي سبق وفسرت بها هذه الظاهرة، فأحس كأني أراها لأول مرة، وربما كان هذا التوصيف الظاهراتي أقرب إلى الاعتبار القديم الذي كان يرى الشاعر أو العبقري مجرد طفل صغير يرى الأشياء على حقيقتها، أي دون أية مؤثرات خارجية، وبلا أية مسبقات اجتماعية ودينية وثقافية، ومعنى ذلك أن الشاعر أو الفنان يعيد الأشياء إلى بكارتها الأولى، ويردها إلى طهارتها الأصلية، أي يعيد إليها عذريتها التي فقدتها نتيجة تراكم الخبرات البشرية وتكرارها، فنرى الأشياء مع الشاعر والفنان على حقيقتها وهي أقرب ما تكون إلينا، وهذا الإحساس أطلق عليه هوسرل اسم "الترنسندتالية" أي الشعور بحالة من السمو والتعالي.

    وقد كان الاستثمار الحقيقي لهذه النظرية في دراسة العمل الأدبي من نصيب رومان إنغاردن تلميذ هوسرل المباشر، حيث سعى إلى تقويم جهود أستاذه بالحد من قيمة التعالي "" التي نادى بها، وذلك من خلال إسقاط هذه القصدية على موضوع يتصف بها أساسا هو النص الأدبي وأسلوب وجوده "البنية الأنطولوجية"، فالأدب في حقيقته ظاهرة شعورية قصدية، وهو بلغة إنغاردن بنية قصدية خلقتها تجربة شعورية وشعرية جديدة مقطوعة الصلة بالنصوص السابقة من حيث طريقة وجوده، لان النص الأدبي وجد ليمنح فينا معنى جديدا من خلال بنيتين أساسيتين:

 البنية القصدية: ويقوم بها أسلوب وجود النص الأدبي (الطريقة الفنية) ويتم تحقيقها عن طريق عمليات الإدراك التي يقوم بها المتلقي أثناء قراءة النص الأدبي.

البنية المادية: شكل النص الذي يكوّن بنيته الواقعية المرئية (البنية اللغوية)، وهو الشكل الخارجي للنص الذي يمثل خطاطته التسجيلية التي ندخل من خلالها إلى معنى النص.

    وقد أسهمت هذه الفلسفة في نشأة كثير من التيارات الفلسفية والمذاهب الفكرية مثل الوجودية كما طرحها هايدجر وغادامر في ألمانيا، وفلسفة الجمال الظاهرتية عند ميرلوبونتي وسارتر ودوفرين في فرنسا، وكيركيجارد في الدانمارك، وكانت مصدرا ثرا لكثير من النظريات النقدية البنيوية والتأويلية منها خاصة، وكان لها الفضل في الإضافات المهمة في فلسفة اللغة وفي التحليل النفسي كالجاشطالت "Gestalt"، واستمر تأثيرها إلى النقد المعاصر كالتفكيك والتلقي واستجابة القارئ. 

 

 

 

2-لسانيات دي سوسير (1857-1913م)

    أهم ما قام به سوسير في ثورته المنهجية أمرين:

الأول: إعادة تحديد مجال علم اللغة؛ إذ لم تعد بالنسبة إليه تدرس ضمن بقية العلوم الأخرى على الطريقة التقليدية حيث كانت تُخلطُ مباحثها بمباحث الأدب والتاريخ وبمصادر الثقافة الاجتماعية الشفهية والمكتوبة أي ما كان يسمى في علوم اللسان العربي القديم بـ "فقه اللغة" ، وما كان يسمى في علوم اللسان الأجنبي بـ "الفيلولوجيا"، فدعا إلى استقلال علم اللغة عن بقية هذه العلوم التي تسمى "فقه اللغة".

الثاني: هو تحديد الموضوعة الأساسية لعلم اللغة، وهذه الموضوعة الأساسية بكل بساطة هي اللغة نفسها، ولا شيء غير اللغة، فأصبح علم اللغة هو ذلك العلم الذي يدرس اللغة في ذاتها ولأجل ذاتها، فأخرجها سوسير بذلك من النظرة الكلاسيكية التاريخية القديمة التي انشغلت عن موضوع اللغة بدراسة أصلها ونشأتها ومراحل تطورها في علاقتها بالبيئة والمجتمع والحضارة، وهي أبحاث رآها سوسير بأنها لم تجد نفعًا، لأن اللغة في نظره نسق مغلق لا يعرف سوى نظامه الخاص مهما تغيرت الظروف التاريخية والأحوال الاجتماعية.

    يذهب سوسير إلى أن اللغة من حيث هي مجموعة قواعد خاصة ينبغي على الباحث التقيد بها تماما مثل اللعبة التي تحمل خصائصها وقواعدها في ذاتها؛ فلعبة الشطرنج -مثلا- انتقلت من شرق آسيا إلى غرب أوروبا وأمريكا دون ان تتغير قواعدها وقوانينها الداخلية، إننا لا يمكننا بحسب سوسير أن نغير في نظام اللغة إلا إذا أضفنا إليها حرفا أو مفردة جديدة من خارجها، وحتى هذه المفردة الجديدة لا تتخذ موضعا دالا على معنى إلا إذا أخضعناها لمجموعة القواعد النحوية والقوانين الداخلية لهذه اللغة.

    إن هذه النظرة المحايثة للغة، أي النظر إلى اللغة من حيث هي لغة وليس من حيث علاقتها بما هو خارج خصائصها الداخلية الذاتية، هي المرتكز الأساسي في تبني سوسير للمنهج الوصفي في دراسة اللغة، الأمر الذي جعل من دي سوسير الأب الروحي للبنيوية، والرائد الأكبر للحداثة اللغوية في الفلسفة اللسانية المعاصرة، رغم أنه لم يصرح بذلك لأن مفهوم "البنيوية" ظهر بعده بقليل؛ فعلى مقولاته الثنائية المشهورة تأسست معظم مناهج النقد الأدبي المعاصر في مقدمتها الشكلانية ثم البنيوية والأسلوبية والسيميائية وعلم السرد والشعريات المعاصرة، وهذه الثنائيات هي (اللغة/الكلام)، (الدال/المدلول)، (الاختيار/التأليف) أو (السانكروني/الدياكروني)، بعد أن حدَّ اللغة بأنها نظام من العلامات تستخدم للتواصل.

    لقد استقطبت موضوعة اللغة كما طرحها سوسير مختلف الحقول المعرفية؛ فكانت مركزا لالتقاء الفكر اللغوي الألسني بقيادة رومان جاكبسون مع الدراسات الانتربولوجية بقيادة كلود ليفي شتراوس(1908-2009م)، ومجال علم النفس التحليلي بزعامة جاك لاكان(1901-1981م)، وفي مجال الدراسات الثقافية وتحليل الخطاب بريادة ميشال فوكو(1926-1984م) وبنفنست في أبحاث لسانيات الخطاب ولسانيات النص.

 

3-من الشكلانية إلى البنيوية

     الشكلانية مدرسة نقدية نشأت متأثرة بالفن التشكيلي وبفن الموسيقى، لذلك شُغلت كثيرا بقضية الشكل الذي يؤسس هذه الفنون، وكان لهذا المنظور الأثر الأكبر في النظر إلى الفن بأنه مبنى شكلي بالأساس؛ فاللوحة الفنية لا تنفصل عن ألوانها، والمعزوفة الموسيقية لا تنفك عن عناصرها الصوتية المشكلة لها، فكان المثل الأعلى للفنون عند الشكلانيين هو الموسيقى، لأنها فن لازمني يمتد في أسماعنا معنى بلا أشكال محددة، إنه يمتد فينا في شكله الخالص النقي، فكانت  الشكلانية بذلك أول ثورة حقيقية على مناهج النقد الحديث التي وظفت الأدب في خدمة الرسالة السياقية على النحو الذي تبنته مناهج علم النفس والتاريخ وعلم الاجتماع..إلخ

     بدأت الشكلانية أول الأمر مع مجموعة عرفت باسم "الشكلانيين الروس"، وهم مجموعة من الطلاب يتزعمهم أوسيب بريك، وشكلوفسكي، وتوماتشيفسكي، وجاكبسون، وإيخنباوم، وتودوروف الذين أسسوا جماعة تعرف بـ"الأبواز"بمعنى "شعر"، وكانت هذه الصفة "الشكليين" وصمًا لهذه المدرسة بأنها تهتم بالشكل الخارجي للعمل الفني على حساب المحتوى الداخلي، فكانت التهمة المفضلة عند الماركسيين أصحاب النقد الأيديولوجي الذين اضطهدوا الشكلانيين خارج الاتحاد السوفياتي، بحجة أنهم جماعة تخريبية للفكر كما صرح إيخنباوم في إحدى دفاعاته عن الشكلانيين، فتفرقوا في أوروبا، واستقر روادها الكبار وهم رومان جاكبسون وتودوروف في فرنسا، وسرعان ما انضم إليهم فلاديمير بروب ورولان بارت عندما قرروا على لسان جاكبسون سنة 1928م تبني المذهب البنيوي الذي أرسى دعائمه الكبرى دي سوسير دون أن يسميه بهذا الاسم، ثم تولى كلود ليفي شتراوس (1908-2009م) بعد ذلك إطلاق اسم البنيوية على أبحاثه الانتربولوجية التي تهتم بتحليل البنى الاجتماعية من خلال الأساطير والخرافات والنماذج العليا التي يبنيها المجتمع في لا شعوره الجمعي، وقد رفض شتراوس الدراسة التاريخية التي تنظر إلى الواقع في بنيته السطحية المباشرة، وقال "إن العلوم الإنسانية إما أن تكون بنيوية أو لا تكون علوما على الإطلاق"، كما أكد على أن البنيوية مرتبطة دائما بما هو خفي وباطني ويتجاوز المظاهر الخارجية المباشرة، ودعا إلى تبني الدراسة الوصفية التزامنية (النسقية) في البحوث الاجتماعية والانتربولوجية، وذلك بالكشف عن العلاقات الخفية التي تربط بين هذه البنى اللاشعورية للمجتمعات، على اعتبار أن العلاقات بين الأشياء أوضح وأبسط من الأشياء نفسها، وتبعه في ذلك جاكبسون، ثم قام الاثنان معا بإنجاز دراسة تحليلية بنيوية لــ "سونيتا القطط" لبودلير، فكانت نبراسا تطبيقيا لقواعد المنهج البنيوي، وترسيخا لإجراءاته النقدية في التعامل مع النصوص الأدبية، ثم أصدر الروائي والانتربولوجي الروسي فلاديمير بروب دراسته البنيوية الشهيرة "بنية الحكاية الخرافية" فكانت مثالا يحتذى في الدراسات البنيوية الرصينة علميا والناضجة فنيا ومنهجيا.

     لقد كانت هذه التسمية الجديدة (البنيوية) منجاةً للشكلانيين الذين وجدوا في هذا الاسم الجديد ما يعبر عن نظرياتهم في الفن والشعر، لقد ظفروا –فعلا- بالاسم الذي ينقذهم من تهمة الشكل التي جنت عليهم ولاحقتهم سنين طويلة، فكانت البنيوية بذلك هي الامتداد الشرعي للمدرسة الشكلانية التي دعمت أسسها المنهجية بمبادئ دي سوسير وفلسفة ليفي شتراوس الاجتماعية، بعدما أخضعوها لمجموعة من الانتقادات والتحويلات النظرية والتعديلات الفنية بما يجعلها أكثر شمولية وأكثر صرامة في مقاربة النصوص الإبداعية بشقيها الشعري والسردي معا.

     ويمكن أن نوجز مبادئ المنهج البنيوي في النقاط الآتية:

1ـــ الكلية والشمولية: وتعبر عنها مقولة العلاقة: الكل أكبر من مجموع أجزائه، أي أن البنية ليست مجرد تجميع عشوائي لعناصرها، بل هي تجميع خاص يحكمه نظام حيوي فعال، وأي خلل يطال عنصرا من عناصر البنية يؤدي إلى خلل في البنية برُمَّتها.

2ـــ الانضباط الذاتي: ومعناه أن البنية لا تخضع إلا لنظامها الداخلي الخاص، وهي قادرة على تنظيم نفسها، وهي لا تحتاج إلى عناصر من خارج نظامها الخاص لأنها مكتفية ذاتيا.

3ـــ التحول الذاتي: ومعناه انفتاح نسق البنية على التغيير والتطور الداخلي، فالنظام هو تعبير عن ثبات النشاط الداخلي وقابليته للتطور من حال إلى حال بشرط أن تخضع العناصر الجديدة لهيمنة هذا النظام الداخلي، أي أن النظام متماسك يرسم حدودا ثابتة لحركة عناصره الداخلية دون أن يعوق حركتها داخل هذا النظام، وخير ما يمثل ذلك هو اللغة التي تمثل النظام الثابت والصارم، والكلام الذي يوصف بالتحول والتغير من شخص إلى ٱخر بحسب الحالات والحاجات، ولكنه ينتج دائما داخل قواعد اللغة الثابتة.

4ـــ التزامنية والتزمنية السانكرونية: وهي دراسة العناصر دراسة وصفية متزامنة في وقت واحد، تكون فيها البنية منفعلة في ذاتها ومتفاعلة مع محيطها الخارجي في حدود ما يسمح نظامها الداخلي في علاقته بالعناصر الخارجية، وفي حالة نشاطها الداخلي بين عناصرها البنيوية بعيدا عن المؤثرات الخارجية التي ترتكز على الدياكرونية، كالظروف الاجتماعية والتاريخية والنفسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ب-البنيوية والنقد البنيوي في الوطن العربي

 

    ظهرت البنيوية فلسفةً ونقدًا في الوطن العربي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي من خلال اطلاع بعض النقاد العرب على الحركة النقدية في أوروبا وأمريكا، فقد كانت اهتمامات كل من مصطفى ناصف ومحمد عناني وعبد العزيز حمودة ومحمد الربيعي بمدرسة (النقد الجديد) التي وضع أسسها الناقد الإنجليزي أرمسترونغ رتشاردز بمثابة جسر ذلول للاتصال بالنقد البنيوي في ثورته على مناهج النقد السياقي الحديث، بعد الإخفاقات التي سجلها رتشاردز على هذا النقد في كتابيه الشهيرين "مبادئ النقد الأدبي" و"فلسفة البلاغة"(سنوضح جهوده أثناء الحديث عن الأسلوبية) وكانت بمثابة الأرضية الصلبة التي انطلق منها النقد المعاصر في تقييم تركة النقد الحديث بقصد تجاوزه إلى أفق أفضل في التعاطي مع النص الأدبي، وتبعه في ذلك توماس ستيرنز إليوت (1888-1965م) الذي أعلن سنة 1919م "رفضه لكل مفاهيم البلاغة القديمة،  مؤكدا أن الفن ليس تعبيرا عن إحساس صادق، مهما بلغ مثل هذا الإحساس أو التعبير من الصدق أو الدقة. كذلك فإن الفن ليس تعبيرا عن شخصية الفنان" نبيل راغب: موسوعة النظريات، ص680.

   تلقف هؤلاء النقاد المصريون هذه الصيحات النقدية الجديدة، وحاولوا الإفادة منها في إخراج النقد العربي الحديث من سجن السياق، بوضع النص الأدبي على منصة التشريح استجابة للنزعة الوصفية التي تركز دراستها على المكونات الداخلية للعمل الأدبي في لحظة نشاطه، وامتد تأثير البنيوية إلى النقد المغاربي؛ فكانت دراسة الناقد التونسي حسين الواد الموسومة بـ "البنية القصصية في رسالة الغفران" الثمرة الأولى لتطبيق هذا المنهج الجديد في النقد العربي، وهي رسالة تقدم بها لنيل شهادة الكفاءة في البحث سنة 1972م، كانت مفتتحا لعدة دراسات جامعية لاحقة، ثم تلاها كتاب "مشكلة البنية" لزكريا إبراهيم سنة 1976م ناقش فيه مفهوم البنية في مجالها الفلسفي، وقدم متابعة كثيفة ومعمقة لانتقالات هذا المفهوم الفلسفي إلى المجال اللغوي السوسيري، ثم مجال البنيوية النفسية عند جاك لاكان، ومجال البنيوية الثقافية عند ميشال فوكو وليو سبيتزر، والبنيوية الانتربولوجية عند ليفي شتراوس، تلتها دراسة معمقة للناقد المصري كمال أبي ديب "جدلية الخفاء والتجلي-دراسات بنيوية في الشعر" سنة1979م، وهي دراسات شملت أشعار كل من أبي تمام وأبي نواس، وأعقبتها سنة1978م دراسة تأصيلية وتعريفية معمقة للنقد البنيوي لـ صلاح فضل بعنوان "نظرية البنائية في النقد الأدبي" ، ثم كتاب "ظاهرة الشعر المعاصر" للناقد المغربي محمد بنيس سنة 1979م، طبق فيه قواعد النقد البنيوي على الشعر المغربي المعاصر.

    لقد مثلت هذه الجهود النقدية محاولات جادة في سعيها إلى تحقيق تفاعل خلاق مثمر مع النقد الغربي، وذلك إما باتخاذ موقف انتقائي يختار المواد المنهجية والمعرفية الصالحة للبيئة الثقافية العربية مثل ما قام به كمال أبو ديب ومحمد بنيس، أو بتغليب البعد الفلسفي والكشف عن الأصول المعرفية والفلسفية والخلفيات الثقافية للنقد البنيوي مثل ما قام به زكريا إبراهيم في "مشكلة البنية" وصلاح فضل في "نظرية البنائية" .

    وقد لاحظ ميجان الرويلي وسعد البازعي في معجمهما النقدي "دليل الناقد الأدبي" أن البنيوية التكوينية هي أكثر المذاهب النقدية انتشارا في العالم العربي، على خلاف البنيوية الشكلانية التي تنزع إلى المنحى الجمالي والفني، وتفسير ذلك برأينا أن البنيوية التكوينية كانت ذات حمولة إيديولوجية لأنها نوع من النقد الماركسي ممزوج بالفلسفة البنيوية سعت إلى إعادة الاعتبار للمكونات الثقافية والاجتماعية للنص الأدبي على يد الناقد الماركسي سابير، وذلك في مواجهة البنيوية الشكلانية.

    لقد كانت الصراعات الإيديولوجية التي تنامت في الثقافة العربية نتيجة تزايد مطالب القوميين والوطنيين والعلمانيين والإسلاميين تحتاج إلى إطار نظري لتعبئة الجماهير، وتأثيث الخطاب السياسي، أما المنحى الجمالي فقد انزوى بعيدا عن الأنظار، واقتصر على جهود فردية نهض بها مصطفى ناصف الذي يعتبر رائد التأويليات الجمالية في النقد المعاصر، بذخيرته النقدية الغزيرة في تأويل النص الأدبي القديم كما في كتاباته "صوت الشاعر القديم"و"النقد العربي القديم نحو نظرية ثانية"و"نظرية المعنى في النقد العربي" وفي النقد الحديث كتب عن "مشكلة المعنى في النقد الحديث" وفي النقد المعاصر كتب "نظرية التأويل" و"الحداثة صوت وصدى" و"مسؤولية التأويل".

 

 

 

 

 

 

2-الأسلوبية وعلم الأسلوب

 

إرهاصات الأسلوبية

    قد تكون العبارة المشهورة "الأسلوبية عقلنة للبلاغة" هي الأنسب للتعبير عن حجم الصلة بين البلاغة القديمة والبلاغة الجديدة التي باتت تعرف بالأسلوبية، ويمكننا أن نرصد هذه الإرهاصات منذ الملاحظات العميقة التي أودعها الناقد الإنجليزي أ. رتشاردز كتابه "فلسفة البلاغة" عن إخفاقات البلاغة القديمة في التعامل مع الكلمات، وفي تقديرها حق قدرها، وقد انتقد هذه الطريقة القديمة بعبارة ساخرة لواتلي عن المرأة  يقول فيها: (المراة حيوان لا عقل له ينبش الجمر من الأعلى) وهي عبارة يعلق بها على عقم النظرة البلاغية القديمة للكلمات حين كانت تعلم الناس طرق التعبير والجدال، وكيفية هدم الدليل لإفحام الخصم، وبعبارة رتشاردز(مجموعة الحيل والخدع التي تلتمع بين الحين والآخر)ص/16،  فبدلا من أن تبحث بحثا فلسفيا عن كيفية عمل الكلمات في الخطاب  فإننا ((نحصل على حفنة من النصائح التقليدية الساذجة نحو: كن واضحا، ولا تكن جافا، كن مرحا، استعمل الاستعارات القريبة لا غير، احترم الاستعمال، لا تطنب، ومن ناحية أخرى لا تتوتر، تجنب الغموض، فضل التعبير الأنيق، حافظ على الوحدة والتماسك.. الخ

    والنتيجة التي خلص إليها رتشاردز هي ((إن كل ما فعلوه أنهم نبشوا النار من الأعلى. فبدلا من معالجة مسألة كيف تعمل اللغة ككل معالجة جادة، يفترضون ألا وجود لشيء متعلق بها يمكن تعلمه عنها، وأن المشكلة هي مجرد قوى الكلمات التي لا يرقى إليها شك بأفضل طريقة ممكنة بدلا من التساؤل والبحث عن مصادر الفعل للكلمات، يتلاعبون بالتعميمات المتعلقة بآثارها، وهي تعميمات لا تقدم ولا تؤخر ما لم ننفذ إلى أسسها العميقة من طريق آخر..))(فلسفة البلاغة: ص18) إلى ان يقول بشكل واضح: ((وهؤلاء البلاغيون يذكروننا بجهود الكيميائيين القدامى الذين أرادوا تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن ثمينة، وهي جهود باءت بالفشل لأنهم لا يحسبون حساب البنى الداخلية التي نسمها بالعناصر))(نفسه: ص نفسها).

    ومنذ هذه اللحظة التي أدرك فيها رتشاردز مكمن الداء في البلاغة القديمة، أصبح مفكرا أسلوبيا، يفحص البنى والعناصر الداخلية للخطاب "مكونات الخطاب" ليتعرف على كيفية اشتغال اللغة، ويكون معرفة دقيقة بنشاط الكلمات داخل الخطاب،  منذ أصغر عنصر فيها "الحرف" إلى أكبر جزء فيها "الخطاب".

    ومنطلق رتشاردز إذن هو ((علينا أن نرفض ولو إلى حين أن تكون للكلمات معان محددة فقط، وأن يكون الخطاب مجرد نظم لهذه المعاني، تماما كما ينتظم الجدار من مجموع أحجاره))(نفسه: ص18).

 وعن منهجه في التعامل مع المعنى يقرر رتشاردز:

((أما نحن فنفضل أن نعامل المعنى وكأنه نبات ينمو، وليس وعاء مملوءا أو كتلة من الطين أخذت شكلها وانتهت، هذه نواقص واضحة ولكنها كما يبين تاريخ النقد لم يتم تحاشيها، والجهود المتواصلة على تعديلها أو تخطيها -و "كروتشيه" هو أحدث الأمثلة على ذلك- ليست بذات فائدة))(نفسه: ص21).

   وهذا يعني أن كل الجهود التي اهتمت بأسلوبية الشعر وبالأساليب الأدبية كما طرحها جاكبسون ورولان بارت وتودوروف وريفاتير وسبيتزر إلى عهد بيير جيرو وجورج مولينيه كانت عبارة عن تعميق منهجي لملاحظات رتشاردز النافذة، وتوسيعا لرؤيته الخاصة كما تتطلع إليها البلاغة الجديدة التي أصبحت فيما بعد علما خاصا بالأساليب.

 

ما الأسلوبية؟

    فأما جاكبسون فقد عرف الأسلوبية بأنها ((بحث عما تميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولا، وعن سائر أصناف الفنون الإنسانية ثانيا))(المسدي: الأسلوبية والأسلوب: ص42).

    أما ميخائيل ريفاتير فيعرفها بأنها  ((علم يهدف إلى الكشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف"المرسل" مراقبة حرية الإدراك لدى القارئ "المستقبل" والتي بها يتسطيع أيضا أن يفرض على المستقبل وجهة نظر في الفهم والإدراك))(نفسه: ص34)

   وهي بهذا المفهوم تهتم بمدى استطاعة المؤلف في معرفة الفهم الحاصل في وعي المتلقي، ومدى قدرة القارئ على إدراك مغزى وفحوى الخطاب.

أما عند جورج مولينيه فـ ((هي دراسة التراكيب اللغوية الخاصة بالأدبية التي تكون متحققة في خطاب محدد)) (جورج مولينيه: الأسلوبية، ص22).

وهذا التعريف قريب جدا من تعريف جاكبسون حين يربط خاصية الأسلوب بمجموع الظواهر والخصائص الفنية الموجودة في النص الأدبي.

نشأة الأسلوبية اللسانية والتعبيرية

    نشأت الأسلوبية -بوصفها علما- في أحضان علم اللغة: إذ كانت التفرقة الأساسية بين اللغة والكلام كما اقترحها دي سوسير بمثابة البذرة الأولى التي أنبتت علم الأسلوب، فكانت مثارا للبحث في اختلاف طرق التعبير، وهذا هو عماد البحث في علم الأساليب الذي ينطلق من مبدأ اختلاف الناس في استعمال اللغة والتصرف في مفرداتها مبنى ومعنى، الأمر الذي دفع بعض تلامذة دي سوسير-مثل شارل بالي- إلى ((النظر في أسباب هذه الفروق بغية التوصل إلى ضوابط لغوية عامة تحددها)) شكري عياد: علم الأسلوب، ص144.

    وكما يعد دي سوسير أب اللسانيات فإن تلميذه شارل بالي (1865-1947م) هو الأب الروحي لعلم الأسلوب اللساني، وقد ذلك وتاكد منذ أن عرف الأسلوبية على انها ((العلم الذي يدرس وقائع التعبير اللغوي من ناحية محتواها العاطفي، أي التعبير عن الحساسية الشعورية من خلال اللغة، وواقع اللغة عبر هذه الحساسية))(يوسف أبو العدوس: الأسلوبية- الرؤية والتطبيق، دار المسيرة، عمان-الأردنن ط2، 2010، ص37).

    وقد ركز بالي على الطابع العاطفي للغة، وأولى أهمية كبيرة للجانب الوجداني والانفعالي للكلام، وارتباطه بالقيمة الاجتماعية والتواصلية، وقد وصفت أسلوبيته بـ "أسلوبية التعبير" لأنها – من حيث موضوعها- تنحصر في دراسة العلاقات القائمة بين الأفكار وصيغ التعبير عنها، أما الأسلوب فهو إدخال للعناصر اللغوية في تفاعل خاص، إنه استعمال خاص  للغة بكل فرد من أفرادها.

 

ما هي أسس النقد الأسلوبي؟

    الأسلوبية علم وظيفته البحث في نشاط الكلمات، يهتم بتتبع تفاعلاتها النصية، والوقوف على خصائصها البنيوية من أجل تحديد جملة طرائق التعبير التي يوظفها المؤلف في صناعة الأساليب المختلفة كما تظهر في:

 

 أولا: في استخدام الصيغ الصرفية مثل الميزان الصرفي في الإفراد والجمع والتثنية، والتعريف والتنكير، والتصغير والتكبير، وهذا ما يسمى بالمستوى الصرفي.

 

 ثانيا: في توظيف أنواع خاصة من الجمل من حيث اسميتها وفعليتها، من حيث كونها شبه جملة أو ظرفا، طولها وقصرها، وأساليب القصر والحصر، والتقديم والتأخير، والحذف والتذكير، والإيجاز والإضمار، والتوكيد والتكرار، وهذا هو المستوى التركيبي.

 

 ثالثا: في المستوى الصوتي كما يظهر في صفات الحروف ومخارجها، مثل المهموس والمجهور والتفخيم والقلقلة واللين والشدة والرخاوة..الخ وأثر هذه الصفات والخواص في اختيار مفردات التعبير المناسبة لإحداث الإيقاع المنسجم والوزن المناسب، وتشكيل القافية الملائمة للمعنى على اعتبار الصوت شكلا للمعنى وصدى له كما قال تودوروف.

 

 رابعا: في المستوى الدلالي اعتمادا على مبدأ الحقول الدلالية التي تقع فيها مزية الاختيار بين المفردات الدالة على معنى واحد مشترك وعام، ثم تتبع امتداداتها الدلالية الخاصة بكل مؤلف، سواء بالاتجاه العمودي وهو محور الاختيار، أو الاتجاه الأفقي (وهو محور الربط والتأليف)، ويمس ذلك طرق بناء الاستعارات والتشبيهات والصور البيانية المختلفة، ونوع المفردات التي تدخل في بناء هذه الصور، وبالتالي تحقق مبدأ الانزياح أو الانحراف أو العدول عن الاستعمال الشائع والاستخدام النمطي للغة الموظفة في التعبير، وهي أهم خصائص الأسلوب الأدبي، وقد اعتبر جون كوهين الأسلوبية في الأساس  هي "علم الانزياحات اللغوية".

 

 

 

 

 

 

 

 

الأسلوب والأسلوبية في النقد العربي

 

     يعود بنا مصطلح الأسلوب في النقد العربي إلى العصر العباسي الأول؛ حيث استخدمها ابن قتيبة(ت276 ه) في كتابه الشعر والشعراء بمعنى الأغراض إذ حاول تفسير معمار القصيدة الجاهلية التي تبتدئ بوصف الطلل والغزل، ثم وصف رحلة الصيد، وتختتم بالفخر والحكمة: ((فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدل بين هذه الأقسام)) الشعر والشعراء: ص20، ويربط الإجادة بحسن توزيع الأغراض على القصيدة، ويقصد بالأسلوب هنا الطريقة التي يتناول بها الشاعر هذه الأغراض المعروفة، وربما كان مفهوم الأساليب أوضح قليلا في كتابه "تأويل مشكل القرآن" حين قال في مفتتح الكتاب: ((وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظرُه، واتسع علمُه، وفهم مذاهبَ العرب وافتنانَها في الأساليب، وما خص الله به لغتها من دون جميع اللغات)) تأويل: ص39. فالأسلوب مجال للافتنان والابتكار يتحرك داخل مذهب من مذاهب العرب في كلامها، وقريبا من هذا المعنى استخدم الباقلاني(ت403ه) مفهوم الأسلوب في كتابه "إعجاز القرآن" ((فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة-وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب)) ص37،  وقد بقيت هذه المفردة تحوم حول هذا المعنى إلى أن منحها عبد القاهر الجرجاني(ت471ه) في العصر العباسي الثاني معنى أكثر تحديدا حيث عرف الأسلوب بأنه ((الضرب من النظم والطريقة فيه)) دلائل الإعجاز:..، أي أن الأسلوب هو طريقة خاصة بكل فرد في نظم الكلام، ومنشأ الأسلوب عند الجرجاني يرتد إلى الكلام النفسي الذي يحمل المتكلم على ترتيب المعاني في النفس قبل أن يرتبها على قوانين اللغة وفق معاني النحو، إن الأسلوب تظهر مزيته في اختيار الكلمات وترتيبها في النطق وفق ما يقتضيه سياقة الكلام.

    لقد بقيت جهود الجرجاني على حالها ردحا من الزمن، إلى أن جاء حازم القرطاجني (ت684ه)، فأفرد هذا المفهوم ببحث خاص في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" يعتبر أكمل المباحث التي توصل إليها النقد العربي القديم، فقد وسع حازم من مفهوم الأسلوب ليشمل النص كله، ثم يحدد خصائصه ويرسم الفرق بينه وبين النظم فيقول: ((لما كانت الأغراض الشعرية يوقع في واحد منها الجملة الكبيرة من المعاني والمقاصد، وكانت لتلك المعاني جهات فيها توجد، ومسائل منها تقتنى، كجة وصف المحبوب وجهة وصف الخيال وجهة وصف الطلول وجهة وصف يوم النوى وما جرى مجرى ذلك في غرض النسيب، وكانت تحصل للنفس بالاستمرار على تلك الجهات والنقلة من بعضها إلى بعض، وبكيفية الاطراد في المعاني صورةٌ وهيئةٌ تسمى الأسلوب وجب أن تكون نسبةُ الأسلوب للمعاني نسبةَ النظم إلى الألفاظ)) نقلا عن علم الأسلوب: شكري عياد، ص125. هذا النص يفيد بأن الأسلوب يقع على المعاني  وعلى طريقة التأليف بينها مثل وصف الأطلال ووصف المحبوب والخيال والطيف، بينما النظم يشمل طرق التعبير كالاختصار والجذف والتأكيد والتكرار والكناية والتصريح.

    أما مفهوم الأسلوبية في النقد العربي الحديث فقد كان مضطربا يتراوح بين المعنى القديم الذي يشير إلى طرق القول في الأغراض المعروفة وبين المعنى الجديد الذي يختص بطرق التعبير كما تظهر في اللغة والفكر، وخير من يمثل هذا التفاوت في معنى الأسلوب الأستاذ أمين الخولي في كتابه"فن القول" والأستاذ أحمد الشايب في كتابه "الأسلوب"، وقد كان عمل أحمد الشايب يرى أن دراسة الأسلوب تتضمن بالضرورة تعلم الأساليب وتعليمها كما قال شكري عياد(علم الأسلوب: ص134)، فقد كان أحمد الشايب يحاول أن يوسع مفهوم الأسلوب ليشمل الفكرة والعاطفة والخيال والتعبير، وذلك ما يرجح القول بأن فتوحات علم الأسلوب التي فجرها النقد الغربي لم تصله في ذلك الإبان.

    أما بدايات الاتصال بالمفهوم الغربي للأسلوبية فقدكانت في الثمانينيات حين كتب رائد الأسلوبية الباحث التونسي عبد السلام المسدي كتابه "الأسلوبية والأسلوب"، وقد ذهب الباجث الجزائري يوسف وغليسي إلى أن مصطلح "Stylistique" قد انتقل إلى النقد العربي المعاصر ببضعة تسميات متقاربة مثل "علم الأسلوب" الذي استخدمته معظم المعاجم العربية مثل "معجم مصطلحات علم اللغة الحديث" لمجموعة من المؤلفين، وقاموس "المصطلحات اللغوية والأدبية" لإيميل بديع يعقوب، والدراسة المتقنة التي أنجزها شكري حمد عياد تحت عنوان "علم الأسلوب" وهو المفهوم الذي تبنته معظم الدراسات المصرية، ومفهوم "الأسلوبيات" الذي وضعه سعد مصلوح ورابح بوحوش، بينما شاع مفهوم "علم الأساليب" في الدراسات اللبنانية كما عند بسام بركة ومبارك مبارك.(وغليسي: محاضرات، ص55-56).

ويمكن أن نستعرض أهم تعريفات الأسلوبية في النقد العربي على الشكل التالي:

-عبد السلام المسدي،  كتاب الأسلوبية والأسلوب:

((علم لساني يعنى بدراسة مجال التصرف في حدود القواعد البيوية لانتظام جهاز اللغة)).(نقلا عن محاضرات وغليسي، ص56)

ويقصد أن الأسلوبية فرع عن علم اللغة واللسانيات، يهتم بإمكانيات الكتاب في التصرف في القواعد النحوية، والأسلوبية عنده تختلف عن البلاغة  في أنها ((امتداد للبلاغة ونفي لها في نفس الوقت))(نفسه: ص56)، لأن البلاغة علم معياري تعليمي يعتمد فصل الشكل عن المضمون في الخطاب، بينما الأسلوبية علم وصفي تعليلي يرفض الفصل بين شكل الخطاب ومضمونه، أي فصل دال النص عن مدلوله.

-عدنان بن ذريل: كتاب "اللغة والأسلوب"

((علم لغوي حديث يبحث في الوسائل اللغوية التي تكسب الخطاب العادي أو الأدبي خصائصه التعبرية والشعرية، فتميزه عن غيره(...) إنها تتقرى [أي تتبع] الظاهرة الأسلوبية بالمنهجية العلمية اللغوية، وتعتبر الأسلوب ظاهرة هي في الأساس لغوية، تدرسها في نصوصها وسياقاتها))، ويقصد أن علم الأسلوب علم لغوي يبحث أساسا في الخصائص التعبيرية والشعرية التي يخلقها الاستخدام الخاص للغة بحسب نوع المستخدمين لها، وأن الأسلوب في جوهره ظاهرة لسانية تنتج عن الاستخدام الخاص للغة، وليس يبعد تعريف نور الدين السد عن هذا كما سنرى.

-نور الدين السد: كتاب "الأسلوبية وتحليل الخطاب"

((الأسلوبية هي الوجه الجمالي للألسنية، إنها تبحث في الخصائص التعبيرية والشعرية التي يتوسلها الخطاب الأدبي، وترتدي طابعا علميا تقريريا في وصفها للوقائع وتصنيفها بشكل موضوعي ومنهجي)).

وقد أتبع نور الدين السد هذا التعريف بخطاطة توضح أهم الفروق بين البلاغة والأسلوبية على النحو الذي حدده المسدي أعلاه.

 

اتجاهات الأسلوبية في النقد العربي

اقترح نور الدين السد أربعة اتجاهات للأسلوبية هي(الأسلوبية التعبرية، الأسلوبية النفسية، الأسلوبية البنيوية، الأسلوبية الإحصائية)، أما عبد الملك مرتاض فقد أشار إلى عدة اتجاهات، ثم اكتفى بالخوض في اتجاهين اثنين رئيسيين هما (الأسلوبية التاريخة) ويقصد بها الأسلوبية التكوينية التي تستفيد من إجراءات المنهج البنيوي التكويني التي تحاول الاجابة عن سؤال: لماذا الكاتب؟ ثم الأسلوبية الوصفية التي تحاول الإجابة عن سؤال: كيف يكتب الكاتب؟

صلاح فضل يقترح ثلاثة اتجاهات أساسية هي: الاتجاه التوليدي، والاتجاه النصي؛ أي الذي يركز على نظرية شعرية النص،  والثالث هي الأسلوبية الوظيفية وهي المرتبطة باختبارات القراء، وردود الأفعال الناجمة عنها.

 

في نقد الأسلوبية

سجل نبيل راغب في معجمه "موسوعة النظريات الأدبية" ضعف المنهج الأسلوبي في عدة نقاط، أهمها:

-أنها دراسة جزئية تفتقر إلى التكامل المنهجي.

-أنها لم تصل إلى درجة كافية من التمايز والاختلاف المنهجي الذي يفصل دراسة النص الأدبي عن غيرها من دراسات النصوص اللغوية الأخرى.

   

                                                                             والله أكبر ولله الحمد

                                                                             د/ عبد الفتاح جحيش