مقدمة
تشكل الجريمة الدولية نتيجة حتمية لتطور المجتمعات البشرية، فقد تبلورت هذه الأخيرة عبر عدة حقب دولية، كانت غايتها الأساسية التوسع والسيطرة، وفي سبيل ذلك كان يسمح بارتكاب مختلف الأفعال المجرّمة كالقتل والتعذيب والترحيل وغيرها.
غير أن تطور المجتمعات الإنسانية وظهور أعراف، ومن ثم قواعد توجب اتباعها في وقت السلم والحرب، قنن كيفية إدارة هذه الحروب، لتطور الوضع بشكل لافت بتطور المجتمعات البشرية المختلفة وترابطها، بل وتيقنها بضرورة التكاتف والتآزر لمنح حياة أفضل للبشر، حتى وصل هذا التطور إلى ما بات يعرف اليوم بالمجتمع الدولي.
إلا أن ترابط المجتمع الدولي اصطدم في كثير من الأحيان بتعارض المصالح الخاصة لكل دولة وتشابكها في أحيان أخرى، ذلك أن هذه العلاقات غالبا ما تصطدم بالتوجهات السياسية والاقتصادية لكل دولة، والتي تحكمها بالدرجة الأولى المصلحة الخاصة، الأمر الذي دفع إلى إيجاد إطار قانوني يضبط هذه العلاقات ويحددها، فظهر ما يعرف اليوم بالقانون الدولي العام.
إن ظهور القانون الدولي العام، الذي يشكل في مجمله عددا لا يحصى من القواعد المتبلورة في شكل واجبات والتزامات تقع على عاتق الدول، لم يضمن التوفيق والتطابق في المصالح بين هذه الأخيرة؛ إذ كثيرا ما يتم اللجوء إلى الإخلال بهذه الالتزامات والواجبات، والذي يفضي إلى انتهاكات متكررة للقيم البشرية المتعارف عليها منذ القدم، وفي إطار هذا الوضع ترتكب الانتهاكات المتعددة في حق البشر والأملاك على حد سواء.
وقد تطورت هذه الانتهاكات تبعا للتطور العلمي والتكنولوجي الذي مسّ كل جوانب الحياة، الأمر الذي استتبع تطورا آخر مس أنماطا مختلفة من السلوك الإنساني والظواهر الاجتماعية، والتي تؤثر بشكل سلبي على مبدأ التعايش بين الدول واستقرارها والسلم، ولعل من أهم هذه الأنماط والسلوكيات الإنسانية السلبية نجد الجريمة؛ فهي تنطوي على اعتداء على الحقوق وتضر بمصالح المجتمع، وتنبئ عن انحدار في القيم التي يجب أن تسود كل مجتمع يسعى إلى التقدم والازدهار.
ولم يقتصر هذا السلوك الآثم على الأشخاص الطبيعيين داخل المجتمع الواحد في إطار ما يعرف بالجريمة، بل تطور ليشمل الدول، أين ظهر مصطلح الجريمة الدولية.
وتعتبر الجريمة الدولية انتهاكا صارخا لكل من قواعد القانون الدولي الإنساني، في حالة وقوعها زمن النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية.
