ثالثا: كيفية بناء نموذج التحليل

بناء نموذج التحليل يعني إعداد نسق متماسك من الفرضيات والمفاهيم العملية، وأساس بناء نموذج التحليل قائم على الإنتقاء، أي أنه ليس معطى جاهز. ومرحلة بناء نموذج التحليل هي المرحلة التي تكون نقطة إتصال بين الإشكالية المعتمدة من قبل الباحث السوسيولوجي ومجال تحليله المحدد. ولكن كيف يبنى نموذج التحليل؟

الإجابة: يبنى نموذج التحليل بناء معرفيا وبناء منهجيا،

فأما البناء المعرفي: فيتعلق ببناء المتغيرات من الخلفية النظرية أو المقاربة النظرية المتبناة.

وأما البناء المنهجي: فيتعلق ببناء المفاهيم وعملية البناء هذه تكون من خلال عملية التحليل المفهومي المتغيرات إلى أبعاد والأبعاد إلى مؤشرات.

حيث أن بناء المتغيرات يؤدي إلى ضبط الفرضيات، أما بناء المفاهيم فيؤدي إلى ضبطها لغة، اصطلاحا وإجرائيا.

يقوم الباحث السوسيولوجي ببناء نموذج التحليل معرفيا من خلال تحديد أبعاد المتغيرات، والمتغيرات هي المفاهيم الرئيسية للموضوع البحث السوسيولوجي، ثم مؤشرات الأبعاد التي تمثل الأبعاد، والمتغيرات في الواقع، أي يجب إختيار أبعاد المتغيرات القابلة للمعاينة أي أن الأبعاد هي التي ترشد الباحث إلى ما هو موجود من واقع الظاهرة أي المؤشرات القابلة للتحديد والقياس، والمؤشر يمكن أن يكون أثرا، أو إشارة تعبيرا، أو رأيا ...إلخ، يمدنا بالمعلومات بمعناها من الواقع، في ضوء النسق المفاهيمي للمقاربة النظرية المتبناة منذ وضع عنوان موضوع البحث. ويمكن تعريفها فيما يلي:

- المفهوم/ المتغير: هو تصور ذهني مجرد عام يقدم في صورة ما، أي بناء ذهني مجرد غير ملموس يترجم ذهنيا مستويات معينة من الواقع الاجتماعي، يعني هذا أم المفهوم هو عرض محدد للواقع الذي نستطيع ملاحظته، وبالتالي فالمفهوم هو تقريب لا يمكن أن يكون متطابقا تماما مع الظاهرة البحثية مع هذا يظل المفهوم في المعرفة السوسيولوجية الأداة الوحيدة لتعين أو تمثيل الواقع الملحوظ، ومن ثم الأداة أو الوسيلة لترجمة تمثيلها الذهني للواقع، وبناء تفسيرنا، وفهمنا لهذا الواقع ومن هنا تبرز فائدة المفهوم وبنائه في البحث السوسيولوجي.

- البعد: فيه يتم الإنتقال من المجرد إلى الملموس أي هو التعبير عن المفهوم المجرد الذي لا نلاحظه مباشرة في الواقع الملموس بمستويات من الواقع، تشكل مكونات له، ولاعتبار آخر أن المفهوم هو عبارة عن مجموعة معقدة من الظواهر، وليس من ظاهرة بسيطة يمكن ملاحظتها مباشرة، وبالتالي للمفهوم الواحد عدة أبعاد.

- المؤشر: هو ما يلاحظه الباحث في الواقع، وهو رمز يعكس مضمون فكر أو أسلوب أو موقف لأفراد مجتمع البحث بواسطة نعته، وبعبارة أخرى هو وصف مختصر لوقائع كثيرة، يمكن من خلاله وعبر الأبعاد أيضا بناء تقنيات جمع البيانات: الملاحظة، المقابلة، والاستمارة باعتبار أن كل مؤشر يتحول إلى الرصد بالملاحظة وإلى أسئلة مثلا في تقنية المقابلة، والاستمارة.

الشكل رقم (02): يوضح بناء المتغيرات

تنبيه

لا ينتظر الباحث أن يجد الأبعاد والمؤشرات الخاصة بمفاهيمه موضوعة مسبقا، بل يصل إليها (الأبعاد) من خلال مرحلة الاستكشاف بالقراءات، و(المؤشرات) بالمقابلات الاستكشافية والخرجات الميدانية لموقع الدراسة، لذلك ينبغي عليه اعطاء أهمية لهذه المرحلة فمنها يمكن للباحث وضع تصوره ضمن مختلف المداخل النظرية التي منها يختار الفصل في الأبعاد، والمؤشرات التي سوف يبني بها فرضياته، وضمن هذا البناء للفرضيات يمكن تحديد أنواع المتغيرات كالتالي:

- المتغير الكمي: الذي يتم التعبير عنه في حالته من خلال القيم الكمية مثل متغير السن، الدخل والذي يمكن قياسه كميا أو التعبير عنه بقيم عددية أو لفظية كمية.

- المتغير الفئوي: الوصفي النوعي الذي يتم التعبير عنه من خلال وصف الفئات بالصفات المتباينة مثل الحالة الاجتماعية التي تضم فئات وصفية أو الحالة التعليمية. ) (

يفيد هذا التصنيف في اختيار الطرق الإحصائية أو المعاملات الإحصائية الإرتباطية التي تكشف العلاقات حسب حالة المتغيرات كمية أو نوعية، وعدد الفئات التي يتم تصنيف المتغيرات فيها. هذا التصنيف يسمح ببناء علاقات الفرضية.

- المتغير المستقل: هو المتغير الفاعل في حركة الظاهرة، فإذا كان البحث عن العلاقة بين السبب والنتيجة يكون هو السبب في حدوثها، وإذا كان البحث عن علاقة التأثير يكون هو العنصر المؤثر ويترتب على حركة هذا المتغير النتائج التي تحدث في الظاهرة أو التأثير بحركته.

- المتغير التابع: هو المتغير الذي يحدث نتيجة لوجود المتغير المستقل أو يتأثر به. ( )

مثال: متغير الأداء يمكن أن يكون متغيرا مستقلا في علاقته بزيادة الإنتاجية، وهو نفسه يكون متغيرا تابعا في علاقته بمتغير الحوافز في بحث اجتماعي آخر.

وفي البحوث التجريبية يطلق على المتغير المستقل بالمتغير التجريبي أو متغير المعالجة الذي يتحكم فيه الباحث بالتغيير أو التعديل لأغراض الاختبار، وفي هذه الحالة يسمى المتغير التابع المتغير الناتج.

- المتغير الوسيط: في كثير من الدراسات لا يصبح المتغير المستقل وحده هو السبب لحدوث الظاهرة، ولكن توجد متغيرات أخرى تساهم بشكل أو بأخر في تفعيل المتغير المستقل، وقيامه بدوره في العلاقة مع المتغير التابع. ( )

الإشتغال على بناء المفاهيم هو عملية تشكل أحد الأبعاد الرئيسية لبناء نموذج التحليل، حيث هذه العملية هي أكثر من مجرد مفهوم أو مصطلح تقني أو منهجي، بل بناء يستهدف تفسيره ما هو واقعي وبالتالي أساس هذه العملية هو بناء إنتقائي من خلفية نظرية.

ولا يخرج بناء المفاهيم منهجيا عن البناء المعرفي السابق الذي من خلاله قام الباحث ببناء المتغيرات حيث تعتبر هذه المرحلة -بناء المفهوم- مهمة جدا في بناء نموذج التحليل الخاص بالباحث، وبما أن أصل المفهوم المعتمد هو من النظرية أي المقاربة النظرية المتبناة فإنه في هذه الخطوة يقوم الباحث بعرض المفاهيم في الإطار النظري المرجعي الذي يتبناه، ويستعمل نفس المفهوم من بداية البحث إلى نهايته، وهذا البناء الإنتقائي يتم عرضه من خلال بناءه أولا بالانتقال من المفاهيم النظرية (العامة) إلى المفاهيم الإجرائية (الخاصة، العملية).

فالمفاهيم النظرية هي تلك التي تكون أكثر تجريبا، بحيث أنها توصف بأنها منطقية ومعقولة، ذلك لكونها قد خضعت للاختبار الميداني من طرف العديد من المنظرين والباحثين، مثل مفهوم السلطة، مفهوم التغيير التنظيمي، أي هي مفاهيم سوسيولوجية تم الإتفاق عليها من طرف العديد من المنظرين والباحثين.

أما المفاهيم الإجرائية فهي تلك المفاهيم التي تكون مستقاة من واقع البحث ذاته، أي أنها تتصف بخصوصية متميزة تجعلها تختلف عن مثيلاتها في المجتمعات الأخرى، كمفهوم الإنحراف مثلا، فقد يعتبر شرب الخمر في بعض المجتمعات العربية فعلا منحرفا، أما في المجتمعات الغربية فهو فعل منحرف.

ويتم عرض هذا البناء عبر الإنتقال من عرض تعريفات المفاهيم لغة، اصطلاحا (المفاهيم النظرية)، وإجرائيا (المفاهيم الإجرائية)، والتعريف مهما كان نظريا أو اجرائيا هو شرط منهجي أو ضرورة منهجية لكل مفهوم، حيث من خلاله يتم توضيح الجوانب المتعددة لأبعاد كل مفهوم.

‌أ- لغة: من خلال تحديد الدلالة اللغوية للمفاهيم من القواميس والمعاجم.

‌ب- إصطلاحا: من خلال تحديد الدلالة الإصطلاحية والمفهمية للمفاهيم عبر استنطاق مجموعة من التعريفات التي قدمها الباحثون لهذه المفاهيم، بمعنى أخر التعريف الإصطلاحي يعني البناء اللفظي للمفهوم أي الألفاظ التي تشيير إلى معنى المفهوم.

بسبب الاختلافات بين المفكرين حول التعريف الاصطلاحي للمفهوم، ولحاجة الباحث السوسيولوجي في التنظيم والعمل إلى الملاحظة والقياس الإمبريقي للمفاهيم في مواقع العمل أو التنظيمات باختلاف أنواعها، فإن هذا التحديد الإصطلاحي يفضي الباحث منهجيا إلى التعريف الإجرائي ولا يعد هذا الاختلاف إلا تقدما للعلوم الاجتماعية حيث يقول "ماكس فيبر" "Max Weber" تقدم العلوم الاجتماعية مرهون بالنزاعات على المصطلحات والتعاريف"( )

‌ج- إجرائيا: التعريف الإجرائي يحدد المفهوم من خلال سلسلة من الإجراءات أو التعليمات أو العمليات التي تشرح وجود المفهوم وخصائصه التي يكشف عنها من خلال القياس، وبصفة خاصة عندما يتعامل الباحث مع هذا المفهوم خلال البحوث التجريبية أو التطبيقية أو خلال ملاحظته لحركة هذا المفهوم وعلاقاته واتجاهاته. بمعنى أخر على الباحث تحديد الدلالة الإجرائية أو العملية للمفاهيم كما يراها في واقع بحثه الميداني، والمفهوم الإجرائي له علاقة مباشرة بالمقاربة النظرية المتبناة من قبل الباحث يخنزل تساؤلات البحث وفرضياتها بأبعادها ومؤشراتها مقدما انتقالا سلسا من المعنى المجرد للمفهوم إلى المعنى الملموس. وللطابع القياسي التجريبي للمفهوم الإجرائي ينبغي للباحث السوسيولوجي الوصول إلى وضع هذا التعريف في أحد النوعين التاليين للتعريف الإجرائي:

- التعريف الإجرائي القابل للقياس: وهو الذي يصف كيفية تحويل المفهوم إلى قيم كمية يمكن قياسها.

- التعريف الإجرائي التجريبي: وهو الذي لا يكتفي بكيفية القياس ولكنه يحدد أيضا طريقة التعامل خلال التجريب من خلال التعامل بالتصميمات التجريبية المختلفة مثل الجماعة الضابطة والتجريبية أثناء الإعتماد على المنهج التجريببي. ( )

إضافةإضافة علمية:

يمكن الحصول على المفهوم الإجرائي عبر تكيف مختلف المفاهيم اللغوية والإصطلاحية عبر:

- جمع عناصر التعريفات اللغوية، والإصطلاحية.

- إضافة ما هو ناقص فيها.

- تكييف كل ما سبق مع الخصائص الواقعية للمفهوم.

أي عبر التعقيب على التعريفات اللغوية والإصطلاحية عبر هذه النقاط الثلاث.

الفرق بين المفاهيم النظرية والمفاهيم الإجرائية:

يمكن أن تتحول المفاهيم الإجرائية إلى مفاهيم نظرية إذا ما أثبتت قدرتها على الفهم خارج حدود الزمان والمكان الذي أنتجت فيه، كما نستطيع توضيح الفرق بين المفاهيم النظرية والإجرائية حسب ما يلي:

- المفاهيم النظرية تعكس الفعل الاجتماعي بشكل عام أما المفهوم الإجرائي يعكس الفعل الاجتماعي بشكل خاص.

- المفاهيم النظرية لا تعكس مجتمعا واحدا بل جميع المجتمعات والعكس فالمفاهيم الإجرائية تعكس مجتمعا واحدا هو المجتمع المدروس.

- المفاهيم النظرية لا تخضع لفترة زمنية محددة والعكس فالمفاهيم الإجرائية تخضع لفترة زمنية محددة هي فترة إجراء الدراسة.

- المفاهيم النظرية لا تنحصر في بقعة معلومة الأبعاد في حين المفاهيم الإجرائية محصورة في الإطار الميداني للدراسة.

- المفاهيم النظرية وصفية وعامة بينما المفاهيم الإجرائية واقعية وتجريبية.

- المفاهيم النظرية دائمة وغير مرهونة بظرف أو مكان في حين المفاهيم الإجرائية ظرفية ومرهونة.

- المفاهيم النظرية يصعب على الباحث السيطرة عليها أما المفاهيم الإجرائية فيمكن للباحث السيطرة عليها والتحكم فيها.

شروط صياغة المفهوم

- تحديد وإبراز الأبعاد والمؤشرات الاجتماعية للمفهوم.

- وصف دقيق وشامل لمعاني المفهوم وذلك بعبارات سهلة وبسيطة ومتداولة في التراث السوسيولوجي أخذين بعين الاعتبار مسألة الحراك المفاهيمي، أي تبادل المناصب بين المفاهيم، المفهوم الرئيسي يصبح فرعي والعكس، ثم يأتي المفهوم الإجرائي ليعبر عن ما يراه الباحث.

- الابتعاد عن الانطباعات الشخصية.

- تجنب استعمال العبارات العامية والدارجة واستعمال بدل ذلك لغة البحث، ولو أن هذا الشرط ليس مطلقا بل هناك بعض المصطلحات الدارجة التي تم اعتمادها في القاموس اللغوي لتمثلها لظاهرة اجتماعية من صنع المجتمع المحلي مثل ظاهرة "الحرقة"، غير أن الباحث بعد أن يستعمل المصطلح بالدارجة ينتقل لتوضيح معناه بعبارات من لغة البحث السوسيولوجي.

- الاقناع بأن تحديد المفاهيم السوسيولوجية في البحث السوسيولوجي لا يجب أن يقف عند حدود التعبير والتوضيح فقط، بل يتعداه إلى مساعدة الباحث على تحديد أهداف بحثه ودراسته الميدانية.

مثالمثال توضيحي على موضوع: التحليل الاستراتيجي للظروف الاجتماعية للعمل ومردودية الإنتاج

نأخذ المثال التوضيحي التالي لموضوع في علم الاجتماع التنظيم والعمل بعنوان: التحليل الاستراتيجي للظروف الاجتماعية للعمل ومردودية الإنتاج، ونطبق عليه عملية البناء المعرفي من أجل ضبط الفرضيات باتباع الخطوات التالية:

- نحدد متغيرات البحث: المتغير المستقل هو الظروف الاجتماعية للعمل، المتغير التابع هو مردودية الإنتاج.

- المقاربة النظرية المتبناة: التحليل الاستراتيجي لـ "ميشال كروزيه".

- نستخرج من المتغيرات أبعاد، ومن الأبعاد مؤشرات.

والشكلين الموالين يوضحان الأبعاد، والمؤشرات المستخرجة من المتغيرين المستقل، والتابع.

الشكل رقم (03): يبين عملية التحليل المفهومي للمتغير المستقل
الشكل رقم (04): يبين عملية التحليل المفهومي للمتغير التابع
الشكل رقم (05): يبين كيفية بناء الفرضيات
الشكل رقم (06): بناء الفرضيات وفق التحليل المفهومي لكلا المتغيرين