ثالثا: كيف نبحث معرفيا ومنهجيا.

البحث السوسيولوجي يبنى على فعل البحث الذي يتوجه نحو التنقيب على المعارف، والمعلومات من أجل أن يكون علميا، ويجب أن يبنى معرفيا ومنهجيا حتى يكون منتظما من بدايته لنهايته، ولأن البحث السوسيولوجي هو بحث نظري وتطبيقي يتم تنظيم طريقة بحثه معرفيا ومنهجيا عن طريق مناهج البحث الكيفية والكمية، وعبر الممارسة العلمية في الأبحاث السوسيولوجية التي ظهرت مع ميلاد علم الاجتماع وسيادة الأفكار التي اعتبرت المناهج الكمية أكثر دقة، استعانت بعض التخصصات الإنسانية والاجتماعية على المنهج الكمي في دراسة الظواهر، رغم ذلك لا يمكن إخضاع ظواهرها دائما للتكميم فهي ملزمة بمنهجها الكيفي الذي يستعين بمحاولة التفسير والفهم عبر دقة، ومرونة الملاحظة، وفهم التجارب التي يعيشها الأفراد المشكلين للظاهرة المدروسة.

ومهما استعانت الدراسات الإنسانية والاجتماعية بالقياسات الكمية ستبقى محتفظة ببعدها الكيفي فمثلا: إذا درسنا درجة الرضا عن العمل فإن المصطلحات، والمفاهيم المستعملة هي من طبيعة كيفية ليبقى الحساب مجرد تكميم فقط.

في الحقيقة إن أهداف البحث والموارد المتوفرة هي التي تحدد إما التكميم أو الكيف، ورغم ذلك يعتبر المنهجين مكسبين للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وقبل أن نفرق بين المناهج الكمية والكيفية -وندرك أن علم الاجتماع بحثه كيفي، وفي اعتماده على المنهج الكمي تعتبر إضافة لإثرائه، ومنه أصبح يتم اعتماد المنهجين معا فيما يسمى بالمناهج المختلطة- يجب أن ندرك الحقائق التالية:

- في التفسير الاستقرائي يتم الإنتقال من الجزء إلى الكل، أما في التفسير الاستنباطي يتم الإنتقال من الكل إلى الجزء أو من الكل إلى الكل. ( هنا يجب توضيح الفرق بين المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي حتى نحدد معنى التفسير في كلا المنهجين في الدراسات السوسيولوجية -أنظر العنصر الموالي)

- كلا العلوم المادة أو الإنسانية والاجتماعية ملزمة أن تبدأ من مادة أو موضوع يمكن ملاحظته مباشرة أو بواسطة أداة يمكن قياسها بشكل دقيق في العلوم المادة، وعلى نحو موضوعي شبه دقيق في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

- التطور المنهجي الجديد الذي تطور مع النصف الثاني من القرن 20 ابتعد عن التجريب، والاختبار كمسلمة بل بدأ يعتمد على الفرضيات، ومنها يعود إلى الوقائع ليختبر صدق أو نفي الفرضيات.

- أصبحت المادة تختبر على أساس براغماتي وليس تجريبي فالبراغماتية تعني استخدام كل ما يؤدي الغرض دون اعتبارات.

- لا تناقض بين المناهج وتحديدا المنهج الكمي والكيفي فهي تكمل بعضها.

- دخول العامل الأخلاقي كمكون إضافي حيث لا يجب التضحية بالأخلاق أثناء البحث عن المعرفة وإنتاج المعرفة من أجل تحصيل المعرفة الصافية أو الرأسمال الصافي.

إذا كيف نبحث معرفيا ومنهجيا؟ الإجابة عن طريق المنهج لأنه الذي يوجه الباحث نحو الاتجاه الصحيح منذ بداية البحث السوسيولوجي حتى نهايته، حيث يتبنى الباحث المنهج الكمي أو الكيفي أو المختلط منذ بداية البحث حتى نهايته، أما كامل الطريق فهو على السالك أي الباحث السوسيولوجي وما يمتلكه من ذكاء، خبرات، ومعارف سابقة.