أشكال الحراك الاجتماعي والمهني عند ابن خلدون

1-الثبات الاجتماعي: كان ابن خلدون حذرا في تعميم مقولة الحراك الاجتماعي والمهني على كل الفئات الاجتماعية بل رأى النقيض تماما لبعض الفئات، أي أنه طرح مقولة الثبات الاجتماعي فهو يؤكد أن القائم بأمور الدين تعظم ثروتهم في الغالب وذلك للاحتياج المؤقت لبضاعتهم الفكرية وكذا لأنهم لا يخضعون لمؤشر الجاه الذي ذكر في السابق كعامل من عوامل الحراك.

2-الحراك التنازلي: يذهب عبد الرحمان ابن خلدون في مقاربته إلى أن المجتمع الإنساني شبيه بالكائن البشري، يمر بمجموعة من المراحل منذ والدته وصولا إلى وفاته واعتبر الدول كالأشخاص لها أعمار سواء بسواء وعمر الدولة في العادة ثالثة أجيال والجيل أربعون سنة وعمر الدول حسابيا مائة وعشرون سنة وخلال هذه الأجيال يمر المجتمع بمراحل التالية:

- مرحلة النشأة والتكوين: وتتميز بالبداوة ويقتصر فيها الأفراد على الضروري من أحوالهم المعيشية وتتميز هذه المرحلة بخشونة الحياة وتوحش الأفراد وبسالتهم كما تتميز بسيطرة العصبية على العالقات الاجتماعية.

- مرحلة النضج والاكتمال: وهي مرحلة الملك وخلالها يتحول المجتمع من البداوة إلى الحضارة ومن العوز إلى الثراء والخصب ومن الاشتراك في المجد والقوة إلى التفرد وفيها تنتقل السلطة إلى يد شخص أو عصبة أو عائلة أو أمة واحدة بعد إن كانت مشتركة وعامة وشائعة.

- مرحلة الشيخوخة والهرم: وتتميز بالدعة والترف وقمة الحضارة وفيها يتجاوز الأفراد البداوة والخشونة نهائيا وتزول العصبية ويبلغ الترف قمته وينسى الأفراد الحماية والمجابهة ويؤدي الفرط في البذخ إلى زوال الدولة تسبقه حالة من الضعف والاستكانة.

ويظهر الحراك التنازلي هرمية الدولة (شيخوخة الدولة) وأشار إلى بعض المؤثرات الاقتصادية التي بشكل أو بأخر تؤدي إلى تقهقر بعض الفئات من الرخص في الأسعار الذي يؤثر على فئات اجتماعية معينة بل يسبب حراكا تنازليا لها فهو يؤثر على التجار فساد سلعهم وفساد رؤوس أموالهم وكذلك يؤثر على الفلاحين ببوار أنواع الزرع من فلاحة وزراعة وذلك لقلة أرباح فيها فلا تكرث رؤوس أموالهم بل ينفقون عليها بل يؤثر على الجند لأن أرزاقهم تأتي من الدولة وحين ترخص أسعار الزرع تقل الجباية منه لفساد الحالة الاجتماعية للمحترفين به.

3- الحراك التصاعدي: تناول ابن خلدون الحراك التصاعدي في العلاقة بين البدو والحضر وهذا ما يبدي أن هناك علاقة الحراك والهجرة الداخلية أي العلاقة بين صعود فئات ونزولها في السلم الاجتماعي وتلك الهجرة التي تحدث بين الريف والمدن. هذا ولاحظ ابن خلدون عند الانتقال من البدو إلى الحضر، فالكماليات العيش تشكل حراكا قويا بالنسبة للأشخاص الذين تعودوا على الضروريات وهو الانتقال من البداوة إلى الحضارة، حيث تنتقل حياة هؤلاء من بؤس العيش إلى قمة التمدن مما يخلق تناقض في نمط حياتهم.

هذا ومن شروط الحراك الاجتماعي عنده هو "عامل الثروة" وهي ثرة السلطان التي أصلها الجبايات والضرائب المأخوذة من البدو هذا ولا يعتبر الثروة إلا إذا كانت تأتي بالعمل والجهد الشخصي وإلا لن يطلق على ذلك مصطلح الحرا، هذا ولا يتم الحراك إلا طبقا لنمط حياة الأفراد ومعيشتهم وبؤس هذا الاختلاف على المناطق الجغرافية، إذ تتأثر معيشة الأفراد حسب طبيعة الأرض فتختلف طرائق حياتهم وكسبه، فالحراك الاجتماعي حسب ابن خلدون يعود إلى طبيعة كل من الحضر والبدو وليس على أساس الصراع.