ثانيا: أهمية اختيار المدرسة المرجعية في التوثيق والتهميش
عندما يُقدم الباحث عملا علميا سواء كان مذكرة ليسانس، ماستر، ماجستير، أو دكتوراه، أو مقالا لمجلة علمية محكمة، فإن التزامه بتوثيق محدد لا يعد مجرد إجراء شكلي، بل هو جزء من النزاهة العلمية واحترام أعراف المجتمع العلمي. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى اختيار مدرسة توثيق واحدة، والالتزام بها بدقة في كامل العمل الأكاديمي.
وفي هذا المقام يجب التذكير أن الباحث عندما يكون بصدد تقديم بحث علمي أو رسالة أكاديمية فإنه يختار مدرسة من بين المدارس، ولا يخلط أو يجمع بين مدرستين أو أكثر في التوثيق والتهميش، لذلك يجب عليه أن يعرف بوجود أربع مدارس هي: مدرسة كامبل، مدرسة شيكاغو، جمعية علم الاجتماع الأمريكية والجمعية النفسية الأمريكية، وكل مدرسة لها طريقتها في التهميش والتوثيق، كذلك عندما يقدم الباحث مقال لمجلة علمية فهذه الأخيرة تفرض عليه التهميش والتوثيق بمدرسة من هذه المدارس.
1- مدارس التوثيق الأربعة:
1 -1- مدرسة كامبل: تستخدم غالبا في التخصصات الكلاسيكية والإنسانية، والتوثيق يتم عبر الحواشي السفلية Footnotes، وتكتب المراجع كاملة في أسفل الصفحة عند كل إحالة، لا تعتمد نظام المؤلف/السنة داخل النص. مثال توثيق في الحاشية Pierre Bourdieu, La Distinction, Paris: Minuit, 1979.
2-1- مدرسة شيكاغو: متعددة الاستخدامات، وتستعمل في العديد من التخصصات الاجتماعية والإنسانية، وتتضمن نظامين: نظام الحواشي السفلية مثل كامبل، ونظام المؤلف/السنة داخل النص. مثال داخل النص ((Bourdieu 1979, 132، ثم المرجع الكامل في قائمة المراجع بنهاية البحث.
3-1- مدرسة الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع: خاصة ببحوث علم الاجتماع، تعتمد نظام المؤلف/السنة داخل النص، مع قائمة مراجع مرتبة أبجديا. مثال داخل النص (Durkheim 1897)، وفي قائمة المراجع Durkheim, Emile. 1897. Le Suicide. Paris: Félix Alcan.
4-1- مدرسة الجمعية النفسية الأمريكية: معتمدة في العلوم النفسية والاجتماعية والتربوية، تتميز بالدقة في توثيق المقالات، الدراسات الحديثة، والروابط الإلكترونية، تعتمد نظام المؤلف، التاريخ داخل النص، ثم مرجع مفصل في النهاية. مثال داخل النص: (Goffman, 1963)، وفي قائمة المراجع:
Goffman, E. (1963). Stigma: Notes on the management of spoiled identity. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
1- إشكالية ضعف التكوين المنهجي لدى الطلبة:
من المؤسف أن نلاحظ، كما أشرنا، أن الكثير من الطلبة في طور الليسانس يكتفون بتعلم نمط توثيق واحد فقط غالبا مستمد من علم النفس (APA) دون إدراك الفروقات المنهجية والتاريخية بين الحقول، أو دون اطلاع كاف على مدارس التوثيق التي نشأت داخل علم الاجتماع نفسه، هذا الوضع يؤدي إلى:
- ضعف في الوعي المنهجي لدى طلاب علم الاجتماع.
- فقدان حس النقد المقارن بين نماذج التوثيق وطرائق بناء المعرفة.
- ضعف علاقة البحث بين الطالب وبين التقاليد النظرية والمنهجية في تخصصه.
علم المنهجية موحد لكن الطرق المنهجية متعددة، ومن المهم التأكيد على أن علم المنهجية هو إطار موحد يجمع بين مختلف التخصصات العلمية في مبادئ عامة هي: الدقة المعرفية، الصرامة المنهجية، التسلسل المراحلي، التوثيق والتهميش، لكن:
- طرق العمل المنهجي تختلف من مدرسة لأخرى ومن تخصص لآخر.
- هذه الاختلافات لا تضر بعلمية البحث إن احترمت خصوصية كل حقل.
- ما يُفقد العمل قيمته هو الخلط والاضطراب المنهجي بين المدارس أو إغفال الجانب المنهجي تماما.
- إن العودة إلى المدارس الكلاسيكية في علم الاجتماع واتباع طرقها في التوثيق والتهميش لا تعني الرجوع إلى الوراء أو رفض التطور، بل هي استعادة للعمق التأسيسي للمنهج السوسيولوجي.
- إدراك الكيفية التي تم بها بناء أدوات الاقتباس والتوثيق بما يناسب طبيعة الظاهرة الاجتماعية، يعني احترام للسياق الذي جعل من علم الاجتماع علما قائما بذاته، بمفاهيمه ومصطلحاته وآلياته الخاصة.
- في كل عمل سوسيولوجي يجب أن نبقي أعيننا على الثنائية الحاسمة: الاتزام بالحياد العلمي، وتقدير جذورنا المنهجية.
- كلما التزم الباحث بنمط توثيق يعكس خصوصية تخصصه، كلما اقترب أكثر من هوية الباحث السوسيولوجي الحقيقي، الذي لا يقتبس فحسب، بل يُعيد بناء المعنى والمعرفة ضمن نسق علمي متماسك.
- التأكيد على المركزية المنهجية في علم الاجتماع، رغم تداخله مع تخصصات أخرى، فإن علم الاجتماع يحتفظ بخصوصية منهجية ومعرفية مستقلة، تعود جذورها إلى التأسيس الكلاسيكي الذي:
- يعلي من شأن الحياد العلمي والمنهجي.
- يؤسس لعملية ربط دقيقة بين النظرية والمعطى الواقعي.
- يشدد على احترام المنهج بوصفه أداة لضمان علمية الفهم السوسيولوجي.
ومن هنا، فإن الاقتباس والتوثيق في علم الاجتماع لا يمارسان كمجرد واجب أكاديمي، بل يشكلان جزءا من أخلاقيات إنتاج المعرفة، بما يضمن الاستمرارية والشفافية والانتماء لحقل علمي له ضوابطه وتاريخه.