أدب الرحلة العربي
Topic outline
-
عنوان المحاضرة: آليات الكتابة في النص الرحلي
العناصر: 1 التعالقات الخطابية في أدب الرحلة . -
2 المقومات الأجناسية لأدب الرحلة . -
3 عتبات النص الرحلي. -
4 السرد في الرحلة . -
5 الوصف في الرحلة . -
6 الفضاء الرحلي . -
7 الزمن الرحلي . -
1 التعالقات الخطابية في أدب الرحلة: -
يعتبر أدب الرحلة من الأجناس ا أ لأدبية الميالة إلى الهُجنة؛ فقد سلك في طريق تبلوره كجنس أدبي
محوري مستقل مسلكا تطفليا حين استضافته خطابات التاريخ والسير والجغرافيا الوصفية، واحتوته
التقارير والاستطلاعات ، وما إلى ذلك مما يتعلق بالتكليفات الرسمية. ومع مرور الوقت وجد هذا النوع من
الخطاب هوية مستقلة لنفسه بعدما كان يعاني مشكلة تقرير مصير جدية خلقتها التقاليد النقدية العربية القديمة
التي احتفت ببعض الأشكال النثرية أكثر من غيرها، برغم ما كان لأدب الرحلات من رصيد مه أ م، ومع ما
حققه هذا الفن في عصرنا الحديث فقد ظل يحتفي بالجغرافيا والتاريخ والدين والأدب ونوادره احتفاء
مكشوفا يهدد قيم ومقاييس الاتساق والانسجام النصي فيه، وبرغم تنامي الوعي الفني لدى كتاب الرحلات
فقد بقي هذا الجنس الأدبي الجديد القديم يحمل أثرا لتلك المرحلة التي كان فيها عائلا على أصناف المعارف
وأشكال الخطابات، والظاهر أن تعالقات الخطابات بين أدب الرحلة وغيره وما ظ أ ل يحمله من آثارها حقيقة
وجودية متعلقة بجوهره كفن أدبي عماده الانفتاح شكلا ومضمونا، وهي حقيقة لا بد أن يراعيها كل دارس
في المجال، بل يجب عليه فهم حقيقة تلك التفاعلات الخطابية التي تكتنف الرحلة أو تشتغل بداخلها كنص
قبل خوض أي مغامرة في هذا الصدد.
2 المقومات الأجناسية لأدب الرحلة: -
يقوم أدب الرحلة على ميثاق سردي مرجعي يعلنه المؤلف في الفاتحة النصية غالبا مبينا عزمه على
سرد قصة رحلة قام بها بنفسه ووصف ما شاهده أثناءها، أو قام بها غيره بمعيته أو قُ أ صت عليه، ومن
خصائص هذا الجنس التطابق بين المؤلف والراوي والشخصية المركزية في أغلب الأحيان ، و انبناء - -
النص على مراوحة مستمرة بين السرد والوصف. أما فيما يتعلق بتصريح الكاتب بطبيعة النص من خلال
بعد « : فاتحته فلنا مثال أمين الريحاني الذي ص أ رح بجنس النص في كتابه ) المغرب الأقصى( قائلا
رحلاتي العربية المتعددة التي استأثرت بي بضع سنوات نشأت الرحلة إلى بلاد عربية أخرى، أسماها
ولنا كذلك مثال أحمد ولد قاضي)أو ولد قاد( صاحب) الرحلة القادية ، » العرب الأقدمون المغرب الأقصى
ثم خطر ببالي بعد « : في مدح فرنسة و تبصير أهل البادية( الذي صرح ينسب نصه إلى هذا الجنس بقوله
الرجوع إلى وطنه أن أجمع نبيذة أذكر فيها بعض ما عاينته في السفر قصدا في انتفاع من لم يكن معنا
لكن تحديد جنس النص الرحلي كغيره من النصوص ليس من اختصاص المؤلف حصرا » ... حاضرا
والذي قد يدعي أنها خواطر ناتجة عن رحلات فعلية كما صرح به رابح خدوسي في )انطباعات عائد من
مدن الجمال( أو محمد بابا عمي في )من بنات الأسفار( لكن المقدمات تؤكد حقيقة الانتماء بطريقة أو
بأخرى أي مقدمات المؤلفين أو من يقدمون لهم .
هناك عدة مقومات تك أ ون مجتمعة الجنس الأدبي هي المق أ وم المضموني والمقوم الشكلي الخارجي
والمقوم الشكلي الداخلي وسياق تلقي النص، ومن هنا كان التفاوت في الوعي بأدب الرحلة في الأدب
العربي قديمه وحديثه، إذ كانت هناك نصوص تنسب إلى الرحلات مع أنها أقرب إلى التأريخ والسياسة
والسيرة كما هو شأن كتاب)أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك( لخير الدين باشا التونسي أو
كتاب)أنفس الذخائر وأطيب المآثر في أهم ما اتفق لي من الماضي والحاضر( للطيب المهاجي الذي عدة
بعض الدارسين في الجزائر رحلة مع أنه سيرة ذاتية .
وعادة ما كانت عناوين الكتب تدرجها ضمن أدب الرحلات بشكل مباشر أو غير مباشر لكن بعضها قد
يلبس الأمر على القراء فيستبعدونها من مجال الرحلات كما هو الشأن مع عنوان ك: )وحي من بغداد (
لزكي مبارك أو )المغرب الأقصى( لأمين الريحاني أو )غرائب الغرب( لمحمد كرد علي الذي زاد الأمر
استغلاقا بعنوان رديف هذا نصه: ) كتاب اجتماعي تأريخي اقتصادي أدبي في الكلام على مدينة: فرنسا،
انجلترا، ألمانيا وإيطاليا ...( وذكر سلسلة من الدول الأوروبية، ولكن من يتصفح هذه الكتب وأمثالها يقر
نسبتها إلى أدب الرحلات دون أي لبس .
ولا يحتاج أي قارئ إلى جهد كبير ليغزو بعضا من كتابات غادة السمان إلى عالم أدب الرحلات لأن
أفق انتظاره الذي تكون حول الكاتبة يسوغ له احتمال ذلك، فعناوين من قبل: ) الجسد حقيبة سفر( و ) غربة
تحت الصفر( و)شهوة الأجنحة( من اليسير ردأها إلى أدب الرحلة لما توحي به من سفر .
وتبقى قضية الجنس الأدبي ظاهرة جمالية تاريخية خاضعة لسياقها الحضاري والفكري والنقدي قابلة
للتعديل والتطور منفتحة دائما على جدلية الكتابة والتلقي تتجاذبها الأطراف الفاعلة في عالم الأدب، وما
يشهده الجنس الأدبي الواحد في مرحلة تاريخية من تجديد وتطوير ليس نهاية المطاف ونقطة فصل حاسمة
مع الماضي .
3 عتبات النص الرحلي: -
تمهيد:
لا يعد الغلاف جزءا من النص بطبيعة الحال لكنه واجهة الكتاب الذي يحمل النص ويمكن أن يقرأ
الغلاف بمنطق سيميائي معيأن: حيث عمد الرحالة المعاصرون إلى توظيف بعض العلامات بشكل قصدي،
فتراهم يضمنونه رسومات تدل على السفر والترحال أو صورا فوتوغرافية للبلدان التي زاروها
وبورتريهات شخصية بخلفية تحيل على مطار أو ساحة في أحد البلدان، وقد يكتفي المؤلف بخلفية حيادية لا
دليل على السفر فيها إلا العنوان، بمعنى هناك ثلاثة أنماط من الأغلفة؛ الغلاف الحيادي سيميائيا والغلاف
اللوحة الفنية والغلاف الذي يتضمن بورتريه .
3 - 1 العنوان: -
يعد العنوان نصا موازيا يقوم على خطاب مقتضب تميزه بنية لغوية فقيرة ملفوظيا لا تتجاوز كلمة أو
جملة قصيرة، هذا و قد لاحظ الدارسون وجود عدة أنماط للعنونة هي:
العناوين المباشرة التي تورد كلمة رحلة صراحة ومنها: ) رحلتي إلى اليمن السعيد( لأحمد فريد ①
الرفاعي، و) الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية( لشكيب أرسلان و ) رحلات حمد الجاسر( لحمد
الجاسر، و) رحلاتي في العالم( لنوال السعداوي، و ) رحلة الشاه كابور ألف ميل في جنوب الهند( لشيرين
عادل ، وقد استخدم هذا النمط منذ القديم . و هناك بعض الكتاب الذين يذكرون لفظ رحلة في العنوان
الرديف ، و من هذا الطراز ) الطريق إلى كريشنا رحلات إلى كشمير و الهند ( لسناء كامل أحمد شعلان ،
و ) الحلم البوليفاري رحلة كولومبيا الكبرى( لباسم فرات ، و الأمثلة وافرة.
العناوين التي تحيل إلى السفر والسياحة ومنها: ) دعوة إلى السفر( لعبد السلام العجيلي و) الجسد ②
حقيبة سفر( لغادة السمان، و )بنات الأسفار( لمحمد بابا علي و الأسفار هنا لا تقصد الكتب ، و ) من بلد
إلى بلد( لمحمد الأمين حسن، و ) من مصر إلى مصر( لمحمد فريد بك، و ) جولة بين حانات البحر
الأبيض المتوسط ( لعلي الدوعاجي ... إلخ .
العناوين التي لا تحيل إلى الرحلة بشكل مباشر لكنها لا تبتعد عنها في مدلولها كالاستطلاعات ③
والتقارير ك ) أسرار الهند الكبرى( لمحمد العيد مطمر، و)الجزائر earth ( للخير شوار، ) الهند التي
رأيت( لرائد الفضلي، و ) مشاهدات في الهند( لأمينة سعيد ... إلخ
العناوين المضللة التي لا تحيل إلى الرحلة والسفر وهي كثيرة منها: ) صهاريج الؤلؤ(" لمحمد توفيق ④
البكري، و ) ثرثرة فوق نهر التايمز( لمنى النموري، و) مدني و أهوائي( للطيفة الدليمي و هو عنوان
أقرب إلى الشعر، و ) سحر أمريكا( لفريد حسن ، ) العملاق الأصفر( لعلي حمدي الجمال... إلخ .
وتستمد عناوين الرحلات مرجعيتها من جنس الرحلة والتناص بين النصوص، وما تتبادله من تأثير
على مستوى الشكيل الفني، ومن النسق الثقافي العام الذي يساهم في صياغتها بما يناسبه، إذ سادت العناوين
المسجوعة لدى الاتجاه المحافظ في القرن التاسع عشر كامثال الطهطاوي، وخير الدين باشا التونسي ،
والشدياق و أحمد ولد قاد ، و حتى في القرن العشرين لدى أمثال شكيب أرسلان، و كمثال عن العناوين
المسجوعة" رحلة الشمول في الذهاب إلى إسلام بول" و " نشوة المدام في العود إلى مدينة السلام" وهما
للألوسي .
وتلعب العناوين الرديفة دورا بارزا في مزيد من التوضيح للعناوين الرئيسية بأن تحدد الوجهة أو نوع
الرحلة أو ترسخ انطباعا معينا يبغي الكاتب إحداثه لدى القارئ ، وقد تلعب دورا سلبيا إذ تزيد العنوان
غموضا كما في رحلة محمد كرد على )غرائب الغرب( الذي شفع هذا العنوان بما زاده بعدا عن الرحلة
و الأدب نفسه.
3 - 2 خطاب التقديم وتأطير النص: -
يشكل خطاب التقديم دورا بنائيا داخل النص الرحلي لما يقوم به من تمهيد وتأطير للنص ومن أشكاله
المقدمات ، وتذكر أسباب ودواعي الرحلة أو تقدم معلومات جغرافية وتاريخية، وهناك مقدمات تقوم على
استشهادات واقتباسات) غادة السمان، سفيان مقنين، سعيد خطيبي... إلخ(، وعادة ما تؤشر لتاريخ كتابة
الرحلة والمكان كمقدمة كتاب" المغرب الأقصى" للريحاني بتاريخ 11 / 08 / 1939 . و هناك مقدمات تكتبها
الجهة الناشرة أو المؤلف لوضع القراء في جو التلقي السليم للنص من خلال الإشارة إلى أهم محطات
الرحلة و ذكر ملامح عن شخصية الأنسان و تاريخ المكان ، و خير مثال لهذا الأمر مقدمة تمهيدية وضعها
سعيد خطيبي لرحلته ) جنائن الشرق الملتهبة رحلة في بلاد الصقالبة( عنونها ب :) من البلقان إلى الميدان (
و حدها الصدفة قادتني إلى بلاد الصقالبة « : و قال في مفتتحها
من بحيرات سلوفينا إلى سهول كرواتيا ، و من أزقة البوسنة و الهرسك إلى ساحات صربيا ، تجولت
بالسيارة برا في أرض الصقالبة ) المسمون بالسلاف( ، و عبرت الحدود بحثا عن الملامح الحقيقية لدول
تجمع بينها الجغرافيا ، و تفرقها الصدامات الدينية و الإثنية ، ثم طرت إلى أوكرانيا أ أيام ثورة الميدان ،
و عشت من الداخل يوميات متقلبة ، حيث التاريخ لا يمل من تكرار نفسه ، و بالطرق نفسها : بالنار و
». الحديد
3 - 3 البداية ونقطة الانطلاق: -
تتعدد الأساليب التي يباشر الرحالون بها سرد قصص رحلاتهم؛ إذ هناك من يلجأ إلى البداية التقليدية
المباشرة حين يفضل إيراد معلومات تاريخية وجغرافية عن البلاد التي زارها معرفا القراء بها، وها هو
قبل أن نباشر السياحة « : الريحاني يباشر سرد رحلته إلى المغرب الأقصى بقوله في مطلع الفصل الأول
وهناك من يباشر دون مقدمات كما هو . » في المغرب الأقصى سنجول جولة قصيرة في تاريخه الحديث
الشأن في رحلات حمد الجاسر حيث يبدأ بعد مقدمة وضع فيها أسباب وظروف نشر رحلاته سنة 1980 م
أحسست أنني بحاجة إلى الراحة وترك المطالعة والكتابة فترة من « : تحت عنوان " إلى الجزائر" كما يلي
ويظل هذا النوع من الكتاب حريصا على ذكر الطريق. .» الزمن رأيت قضاءها بعيدا عن مقر عملي
عدد أخر من الكتاب يفضل استعجال القطاف فيبدأ رحلته بوصف حالته في نقطة الوصول مختزلا
الطريق كغادة السمان في ) الجسد حقيبة سفر( ، وقد يفضل الكاتب أن يفجأ القارئ بعناوين مستفزة كما هو
شأن عزالدين ميهوبي في ) ما لم يعشه السندباد( أو سعيد خطيبي في ) جنائن الشرق الملتهبة( حيث فاجأ
هذا الأخير قراءه بعنوان ) ليوبليانا ( عنوانا للجزء الأول من الرحلة ثم وضع أسفله عنوانا معززا من
خلال عبارة : ) تمارين على محاكاة الصخب الصامت( و ليوبليانا هذه عاصمة سلوفينيا في يوغوسلافيا
السابقة.
4 3 العناوين الداخلية: - -
وتتضمن غالبا ذكر المرحلة من مراحل الرحلة أو محطة من محطاتها كما هو الحال لدى الطهطاوي
والشدياق والسعداوي والجاسر ومحمد الصالح الصديق في "أرض النبوة"، أو تشير إلى أسماء البلدان
المزارة لما يتعلق الأمر بجولات كما هو الأمر عند خطيبي أو سفيان مقنين " جزائري في الأندلس" وقد
تكون صياغتها كنائية أو قائمة على المفارقات وهكذا .
3 - 5 الإهداءات: -
وعادة ما تكون للوالدين أو أحد الأقارب كالزوجة أو الأبناء أو للقراء بشكل عام، حيث كتبت نوال
إلى كل من سافر وعرف الغربة بعيدا عن الوطن. إلى كل من «:) السعداوي ما يلي في ) رحلاتي في العالم
وهو إهداء يتضمن معان أخرى ذات بعد سياسي . أما منى النموري فكان ».. عاش الغربة في الوطن
و هو إهداء يحيل إلى عمرها ربما . » إلى أربعة عقود من الثرثرة « : إهداؤها كالتالي
3 - 6 الإحالات الشعرية وغيرها: -
بعض الكتاب يفضلون افتتاح الرحلة ببعض المقاطع الشعرية أو الحكم، الأمثال كغادة السمان في ) غربة
تحت الصفر( ، أو سفيان مقنين في ) جزائري في الأندلس( .
3 - 7 خطاب النهاية: -
حيث تتنوع أشكاله هو الآخر فمن خاتم بالدعاء كما هو حال أغلب الرحلات الحجية أو المحافظة بشكل
عام ، ومنهم من يختم بذكر تاريخ الفراغ من العمل، وهناك من يضع ملحقا أو فهرسا و قد يكون الفهرس
في البداية كما كان عند منى النموري .
4 السرد في الرحلة: -
يغلب على السرد الرحلي التشبه بالسرود التي ترعرع في حضنها، وعلى الخصوص التاريخ والسيرة
والتقرير، وهو سرد يبتغي إثبات يقين مرتبط بالأحداث والذات و الآخر، وهو سرد دائري من الناحية
المبدئية، حيث ينطلق من نقطة ثم يعود إليها، ويتكون من مقاطع توازي الحركة الفيزيائية التي قام بها
الرحالة حيث هناك سرد العبور ويمثله الانطلاق والمسير في الرحلة الفعلية أو متخيلة ذهابا وإيابا، ويتميز
بالتوتر في البداية وبالاختزال في العودة) وهناك سرد الوصول عند بلوغ البلد المستهدف(، وقد كان لتطور
وسائل النقل في العالم الحديث دور في تقليص مساحة هذا السرد على اعتبار قصر الطريق أو بالأحرى
زمن قطع الطريق بسبب السرعة المفرطة لبعض وسائل النقل كالطائرة؛ إذ كثيرا ما يقضي الرحالة
الطريق نائما على مقعد وثير . أما سرد الوصول فيكون أكثر توازنا إذ يتوسل بالوصف والتعليق والتأمل
والمقارتة والتمثيل. وتقوم الجملة السردية في النص الرحلي على أربعة عناصر هي: الخبر، والسند ،
والفعل ، والمرجع ، بحسب ما ذكره شعيب حليفي:
الخبر ................ تاريخي ①
..................... اجتماعي
....................... أدبي
......................ديني
السند: حقيقي وخيالي ويتعلق بطبيعة الروايات، وهناك سند مباشر وسند غير مباشر ويتعلق الأمر ②
بجهة النقل.
الفعل: أفعال الانطلاق _ أفعال التجسير _ ) أفعال الرؤية أفعال السماع ( . - ③
المرجع: وفيه الواقعي وغير الواقعي وله صلة بمصادر السرد التي تكون المعاينة والإخبار، ④
والمصادر المتعلقة بالموضوع . ) الرجاء العودة إلى كتابه الرحلة في الأدب العربي .ص : 147 و ما
بعدها.(
وتنبع أدبية الرحلة من تتابع سرد الحكاية من نقطة البداية إلى نقطة الوصول، لأن نص الرحلة نص
سردي في النهاية يشكل السرد فيه إطارا و ما عداه متضمن، ويعد الروائي شخصا واقعيا إذ هو الطهطاوي
أو الشدياق أو طه حسين أو المازني أو سعيد خطيبي أو عبد الله كنون، أو علي الدوعاجي أو عمر بن قينة،
وتروى الحكاية بضمير الأنا في أغلب الرحلات أو النحن، وأغلب الرحلات الحديثة رويت من طرف
الرحالين أنفسهم كما في القديم عدا نزر يسير كرحلة ابن هطال التي كان بطلها محمد بن عثمان الكبير باي
الغرب الجزائري في أواخر القرن 18 للميلاد، أو بعض رحلات الملوك التي كتبت من طرف بعض
مرافقيهم كرحلة الخديوي حلمي عباس إلى الحج سنة 1910 م التي كتبها البتنوني .
5 الوصف في الرحلة: -
هناك تداخل ومراوحة بين السرد والوصف في خطاب الرحلة بوصفها نصا أدبيا، ويجب التفريق منذ
البداية بين الوصف التقريري المتصل بالمعلومات الجغرافية والتاريخية و الدينية وهو موجود في نصوص
الرحلات لكنه لا يمت بصلة قوية للأدبية، والوصف الانطباعي الذي عادة ما يتصل بالسرد والوصف
ويبرز وجهات نظر المؤلف، وكمثال عن ذلك نورد مثالين من ) رحلات جزائري في ربوع إفريقيا( لنجم
جنوب إفريقيا أكبر دولة في العالم من حيث عدد « : الدين عثمان ؛ حيث يصف جنوب إفريقيا بقوله
المناجم، على أرضها ما يقرب من 90 بالمائة من مناجم البلاتين و 80 بالمائة من مناجم المنغنيز و 37
الرحلة ص: ( ».... بالمائة من الكروم 97 (، وهذا وصف تقريري محض. أما مثال الصنف الثاني من
جنوب إفريقيا هي عالم بأكمله على أرض واحدة .... « : الوصف أي: الانطباعي فيقول فيه عن البلد نفسه
هي اجتماع الأضداد في نفس المكان]كذا[ والزمان تحت سقف واحد هي الأمن والرهبة... هي الجنة والنار
الرحلة ص: ( » على مرمى الحجر 94 .)
وتتضافر آليتا السرد والوصف في تشكيل ما يعرف بالصورة الأدبية ، صورة الآخر القائمة على مبدأ
المفارقة بين الهنا والهناك الذات و الآخر. وأفضل رحلات العصر الحديث تلك التي اتجهت نحو أوروبا
و إفريقيا، ويشتغل الوصف في العادة على الماديات والمعنويات، حيث يصف الطبيعة والبشر والعادات
والتقاليد والديانات والفكر ...إلخ، ويقوم الوصف الانطباعي الأوثق صلة بالأدبية على جمل خبرية قد
تتضمن مبالغات أو مقارنات و استعارات تعكس حالة التأثر والانبهار وقد يعمد الرحالة إلى اصطناع
أساليب إنشائية كالمدح و الذم .
6 الفضاء الرحلي: -
الرحلة هي الانتقال في الفضاء بتعبير تودوروف وتنقسم الأماكن في علاقتها بالرحالة إلى قسمين مكان
مرجعي مذوت مرتبط بالذات كالوطن أو مدينة السكنى أو البيئة التي يعيش فيها الرحالة و يكون مرجعا
للمقايسة و المقارنة يخالطه الرحالة وينتج علاقة معه ، حيث يألفه أو يستوحش منه بحسب طبيعته
ونفسية الرحالة ؛ إذ تلعب الميول والتجارب الذاتية الشخصية دورا هاما في صياغة الموقف منه إيجابا
وسلبا، وهناك مكان مرجعي ثقافي يستدعي استرجاعات متعلقة به يوردها الراوي من مؤلفات السابقين وقد
يكون الموقف منه مبدئيا بناء على أفكار مسبقة. وهناك ثلاثة أماكن أساسية في كل مرحلة من الناحية
البنيوية:
أ مكان الانطلاق: وهو نقطة البداية ونقطة الرجوع ويغدو مرجعا للمقارنة التي يقوم بها الرحالة طوال -
النص .
ب المكان الجسر: وهو فضاء المسير والعبور والمواجهة مع الآخر، وهو أخصب أفضية الرحلة القديمة -
لأن تجارب عديدة يحصلها الرحالة أثناء اجتيازه تنتج عنها مفجآت وصدمات لكن للأسف رحلات هذه
الأيام تمضي بسرعة أفقدت نصوص الرحلات الكثير من رونقها، وأثناء المسير تتونع مواقف الرحالة من
الأماكن ، حيث هناك أماكن ذات وقع إيجابي تكون محل تقريظ وثناء وأماكن ذات وقع سلبي تقدح الذم .
ج المكان الهدف: وهو الذي يحدد نوع الرحلة ويتم التوجه إلىه بناء على حافز شوق أو منفعة أو أمر...إلخ. -
و تشكل الأماكن و الفضاءات أقطابا دلالية في الرحلات تنتج المعاني المتقابلة ، و تؤطر العلاقة بين الأنا
و الآخر ، و هي ذات دور محوري في خطاب الرحالة بما يحملها إياه من دلالات نفسية ، و ما تحمله من
أبعاد ثقافية قد توجه الرحالة في بعض الأحيان بما توفره من استدعاءات و إيحاءات...إلخ
7 الزمن الرحلي: -
الزمن الرحلي زمن واقعي في الغالب يحيل إلى تاريخ التجربة و قد نجد رحالة يحرصون على التأطير
الدقيق لرحلاتهم بذكر التواريخ الدقيقة الموازية لمراحل السفر ، و هناك من لا تكاد تظفر بمؤشرات زمنية
في نصه إلا قليلا . لكن زمن الخطاب مختلف، حيث يتم تأسيس النص بشكل بعدي بعد الفراغ من التجربة
لمدة قد تطول وقد تقتصر ، و يخضع الرحالة التجربة إلى فعل التخطيب عن طريق عمليات تقوم بها
الذاكرة .وهناك زمن القراءة الذي يبقى مفتوحا يتجدد مع كل قراءة، فالطهطاوي مثلا قام بالتجربة بين
1826 و 1831 ، ونشر الكتاب في مصر بعد سنوات لكنه يتجدد الآن به كل قراءة .
نهاية المحاضرة أ.رؤوف قماش –
-
عنوان المحاضرة: أدب الرحلة وموضوعاته عند العرب في العصر الحديث
تمهيد:
ليس من السهل رصد مجمل الموضوعات والاهتمامات التي شغلت الرحالة العرب المحدثين، لكن
مواضيع كبرى ذات خلفيات سياسية ودينية و اقتصادية وثقافية هي التي كان لها حضور أكبر قياسا إلى
موضوعات أقل أهمية انفرد بها بعض كتاب الرحالة، ويبقى نص الرحلة صورة مضغوطة عن حياة
أصحابها وتطلعاتهم و انعكاسا لحركة المجتمعات موضوع الزيارة وشؤؤون حياتها اليومية. ومن الصعب
كذلك الحديث عن موضوعات مشتركة عامة لأن البلدان العربية عاشت بعض الاختلافات المهمة في بعض
تفاصيل ظروفها وإن اشتركت في بعض النقاط العامة كالتخلف والتعرض للاستعمار والمضايقات الناجمة
عن نشاطه، وبعض التحديات المرتبطة بنظام الحكم والتنمية وقضايا المرأة والأمية والتعليم وشؤون الديانة
وتحديات الإنسان المسلم، وكل هذه الأمور كان لها صدى في نصوص الرحالة العرب.
وينبغي التفريق منذ البداية بين دوافع الرحلة وموضوعاتها وإن كانت العلاقة بينها وطيدة، على أية
حال الآن الدافع يتحكم إلى حد ما في طبيعة الموضوعات المثارة فيها .
1 الموضوعات المستجدة: -
نشط الرحالة العرب المحدثون في ظل عالم حديث ميزته ظروف وملابسات مختلفة عن ظروف
الرحالة القدامى من أمثال ابن فضلان وأبي حامد الغرناطي وأبي بكر العربي وابن جبير وابن بطوطة
والعبدري وابن خلدون وغيرهم، فبعد أن كان أولئك القدامى يجوبون أصقاع البلاد الإسلامية المترامية
الأطراف دون حواجز في ظل سلطان المسلمين أو يلمون ببعض بلاد الكفر وهم يحملون في صدورهم
إحساسا بالتفوق الحضاري في ظل مركزية إسلامية قوية كانت لها سطوة كبيرة في عالم القرون الوسطى،
وتحكمت في الاهتمامات والموضوعات ثنائية دار الإسلام ودار الفكر أو دار العرب في بعض الأحيان:
وفي ضوء ذلك قامت المرويات بتمثيل الذات والآخر استنادًا إلى آلية مزدوجة أخذت شكلين متعارضين:
ففيما يخص الذات أنتج التمثيل ذاتا نقية وحيوية، ومتضمنةالصواب المطلق والقيم الرفيعة والحق الدائم
فضح جملة من المعاني الأخلاقية المنتقاة على كل الأفعال الخاصة بها. وفيما يخص الآخر أنتج التمثيل
آخر يشوبه التوتر والالتباس، والانفعال والخمول والكسل.
وذهب بالنسبة إلى الجماعات النائية إلى ما هو أكثر من ذلك حينما وصفها بالضلال والتوحش
والبهيمية بحسب ما ذهب إليه عبد الله إبراهيم. ولم تنقطع المرويات السردية الشائعة في دار الإسلام، وفي
مقدمتها أدب الارتحال عن مرجعياتها التاريخية، فهي سرود شاملة لا تعرف البراءة في التمثيل، وليست
شفافة، و قد سيطر النموذج اللاهوتي على الرؤى والتصورات المتصلة بها وصاغ الموضوعات إلى حد
كبير .
وشهد العصر الحديث انقلابا كبيرا حينما صار العالم الإسلامي ومن ضمنه العالم العربي هامشا وتابعا
وصار الآخر الذي كان ضمن دار الكفر مركزا يمارس سطوته على الأنا العربي الذي حدثت له صدمة
حضارية كبيرة فصار موضوع النهضة الموضوع الرئيسي لأقوى النصوص الرحلية في القرن التاسع
عشر والقرن العشرين تتقدمها أعمال الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وخير الدين باشا التونسي ومحمد
كرد علي وأمين فكري . ومثلت نصوص أخرى فكرة الخضوع إلى الآخر وسطوته الاستعمارية وبخاصة
في الجزائر حينما رأينا بعض الرحالة ينخرطون في حملات العلاقات العامة التي دانت للاستعمار وسقطت
في شراكة مبشرة بحضارته متجاهلة رواسب الماضي التي علقت بالمخيال العربي والتطلعات القوية
لمواجهته انطلاقا من الهوية الشرقية المستقلة، وأبرز النماذج على هذا التوجه نصوص ابن علي الشريف
سليمان بن صيام 1952 وأحمد ولد قاضي 1878 ومحمد بن الحسين بن الشيخ لفقون وهناك بعض
النصوص على هذه الشاكلة في مصر والمغرب والشام ، إذ مثلت فرنسا لدى بعضهم قلعة الحرية و حقوق
الإنسان!
وفضل بعض الرحالة خيار المواجهة مع الآخر وإبراز التمايز عنه وتندرج ضمن هذا المسعى رحلات
الاصلاحيين الجزائريين سواء إلى فرنسا أو الشرق العربي أو حتى داخل ربوع القطر الجزائري وكذا
رحلات العرب نحو الأقطار العربية وتمارس نوعا من المواجهة مع الآخر بدرجات مختلفة ونشير هنا إلى
رحلات محمد الزاهي الميلي " أربعون يوما في الطريق من باريس إلى قسنطينة" ورحلات الإبراهيمي
وابن باديس ورحلات ..... وأحمد توفيق المدني، ورحلات الخضر حسين ومحمد فريد بك، وتضاف إلى
هؤلاء جهود معاصرة كجهود يوسف إدريس) اكتشاف القارة(.
وخارج إطار المواجهة مع الآخر آثر بعض الرحالين تناول موضوعات أخرى تتعلق بمظاهر العمران
والتطور وقضايا تحرر المرأة والحرية الدينية ، وظهرت هذه الأمور لدى بعض الكاتبات كنوال السعداوي
وغادة السمان ، ولطيفة الدليمي، وجورجي زيدان ، وحسين فوزي ، وطه حسين ، ولطفي السيد ...إلخ .
وفضل بعض الرحالة المعاصرين توجيه النقد للذات توجيه النقد للذات من خلال مهاجمة مظاهر
الانحراف والتسلط و الفساد في البلاد العربية وتوجيه اللوم نحو الداخل العربي على قدم المساواة مع
الغرب الذي اتضحت نواياه بعد الموجة الاستعمارية والقضية الفلسطينية وأحداث 11 ديسمبر وندرج ضمن
هذا السياق: كتابات خيري شلبي، و كتابات جمال الغيطاني ، ومحمود السعدي )بلاد تشيل وبلاد تحط(
و كمال الرياحي، خليل النعيمي ، و أحمد المديني .
لقد لعب الجانب السياسي دورا محوريا في توجيه اهتمامات الرحالة العرب موضوعاتيا، إذ يمكن إدراج
مختلف الأفكار والموضوعات الجزئية ضمن إطار كبير هو ثنائية الأنا و الآخر . ومن جهة أخرى طرح
بعض الرحالة موضوعات مهمة كفكرة الهوية .
2 الموضوعات التقليدية: -
حافظ الكثير من الرحالة العرب على الموضوعات التقليدية في ظل فضاءات مألوفة كداخل الأقطار
المختلفة أو رحلات الحج ، وتناولت هذه النصوص الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية
بمختلف تفاصيلها وأبعادها، وحتى ضمن الفضاءات غير الألوفة كأوروبا وإفريقيا وامريكا اللاتينية وبلدان
آسيا المختلفة ، وغطت هذه الرحلات رغبة الاكتشاف الجغرافي لأقطار جديدة كانت مجهولة أو أعيد
اكتشافها من جديد كموضوع الهند وآسيا الوسطى وأوروبا و إفريقيا السوداء .
ومن أبرز الرحلات رحلة شكيب أرسلان ) الارتسامات اللطاف( ، ورحلة المازني ) رحلة إلى
الحجاز( ومن الرحلات التي زارت بلادا بعيدة رحلة محمد عياد الطنطاوي ) تحفة الأزكياء بأخبار بلاد
روسيا( ورحلة السوداني عبد الله عبد ) سوداني في الصين الشعبية( ورحلة محمد ناصر العبودي ) رحلة
إلى جزر المالديف( وهناك من زار اليابان وأمريكا اللاتينية كأحمد المديني من المغرب ونجم الدين سيدي
عثمان من الجزائر مؤخرا، وبقيت موضوعات الرحلات قائمة كالرحلات السياسية السفارية والرحلات
العلمية والرحلات الدينية الزيارية وخاصة في الأقاليم الصحراوية في موريطانيا والجزائر .
نهاية المحاضرة
أ.رؤوف .قماش