مفهوم الشعر ومقوماته في النقد العربي القديم
مفهوم الشعر في النقد العربي القديم
ذكر صاحب اللسان أن كل معاني كلمة (شعر) مثل: ((شَعَرَ به ويشْعُر شِعرا وشَعرًا وشِعرةً ومشعورةً شعورًا وشِعرَى.. إلخ كلها تعني علم، وليت شعري أي ليت علمي، أو ليتني علمت، وليت شعري من ذلك، أي ليتني شعرت.. وليت شعري فلانا ما صنع! وأنشد: يا ليت شعري عن حماري ما صنع وعن أبي زيد وكم كان اضطجع ... وفي الحديث: ليت شعري ما صنع فلان، أي ليت علمي حاضرا.. إلخ والشعر: منظوم القول غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرا))(1) لسان العرب: مادة شعر، ص2274، ط دار المعارف- القاهرة، تح عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي).
لا تخرج معاني مفردة شعر عن العلم والفطنة والنباهة، ولكن على الرغم من الفرق الدقيق بين دلالات (علِم) و(شعَر) من حيث طريقة تحقق المعرفة في كل منهما إلا أن ابن منظور يصر على شرف الشعر على العلم بالوزن والقافية، وهذا يؤكد انحياز الشعرية العربية في -خطاب النقد على الأقل- إلى الصوت والوزن والقافية أي النغم، وفي ذلك يكمن التشبع النفسي بروح الثقافة الشفاهية، ولو أصغينا إلى روح مفردة (شعر) لأدركنا على الفور بأنها تفيد طريقة في العلم خافية وخافتة تميل إلى الاستتار والتحجب، وتتجنب الوضوح والصراحة والمباشرة في التعبير، فالشعور إحساس وحدس ومن ثم تكون طبيعته استباقية، هذا الملمح الشفاهي هو الذي أكدت عليه دراسات أدونيس للشعرية العربية، واعتبرت النغم والسماع أصلا ركينا في بنية الشعر العربي مادام التلقي والإنشاد والتغني جماع هذه الشعرية العريقة.
منذ التعاريف التقديرية التي ذاعت بين المسلمين؛ تلك التي نسب بعضها إلى ابن عباس حين قال: "الشعر ديوان العرب"، وبعضها الآخر إلى عمر بن الخطاب حين قال "الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"، منذ ذلك الحين والتعاريف والمقاربات التحديدية لهذا المفهوم تترا، وإن كانت في معظمها تركز على خاصية الطبع التي توجد في الشاعر نفسه؛ إذ يكون مطبوعا عليها ثم تتبدى في شعره بعد ذلك، الأمر الذي يجعل مفهوم الشعرية ينحاز ابتداء في الثقافة العربية الأولى إلى الشاعر؛ فتصير شاعرية مرتبطة بالمبدع أساسا، وليست شعرية مرتبطة بالشعر، باستثناء بعض الملاحظات التي واجهت مفهوم الشعر في بنيته الداخلية، على نحو القول الذي أطلقه الأصمعي حين قرر أن "أحلى الشعر أكذبه" مرة، وحين قرر مرة أخرى أن "الشعر بابه نكد إذا أدخلته في باب الخير لان" مستشهدا بأشعار حسان بن ثابت في الجاهلية والإسلام. ويضاف إلى ذلك ما قاله ابن إسحاق الحضرمي في شعر عمر بن أبي ربيعة ((لشعر عمر بن أبي ربيعة نوطة في القلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عصي الله عز وجل بشعر أكثر مما عصي بشعر عمر، فخذ عني ما أصف لك به أشعر قريش: من دق معناه ولطف مدخله وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته))(الأصفهاني:كتاب الأغاني، تحقيق محمد الخضري بك وأبو الفضل إبراهيم وإبراهيم الأبياري، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت-لبنان،1963م، ج1، ص108-109).
في عصر التدوين ارتبطت الشعرية العربية بتلك المحاولات الشاملة التي استهدفت تحديد ماهية الشعر، بعد أن تم الاعتراف به في الخطاب النقدي مع ابن سلام الجمحي بأنه علم وصناعة لها أصولها الفنية وقواعدها الخاصة، فأصبح القول الشعري يعامل بوصفه نشاطا خاصا له قوانينه الداخلية التي ينتج بها معناه الخاص الذي يختلف بالضرورة عن نتاج بقية أنظمة التعبير الأخرى، بمزيد تحسين وتجويد وتثقيف، تماما على النحو الذي فصله الجاحظ في مقولة المعاني التي تعتبر أهم قطبي عملية التعبير (المعاني/الألفاظ)، فـالشعر عند الجاحظ ((صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير)) (الجاحظ: الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة البابي الحلبي-مصر، ط2، دون تاريخ، ج3، ص 131-132).
وإذا توقفنا عند هذا التعريف الجاحظي للشعر لرأيناه يؤكد بوضوح على خاصية جوهرية في الشعر هي التصوير والنسج، وهو تنبيه ذكي جاء في وقت مبكر لميزة أساسية داخلية تكمن في بنية الشعر ذاتها، جعلت النقاد يفهمون حينها أن الجاحظ من أنصار اللفظ في المعركة التقليدية العريقة بين أنصار الألفاظ وأنصار المعاني، وللأسف الشديد فقد خرج النقاد في خطابهم النقدي عن موضوع البحث في طبيعة الشعر، وغفلوا عن تثمين هذه الإشارة بمزيد من التعمق والتنظير بفعل الضغوط المذهبية التي كانت محتدمة بين المعتزلة وخصومهم التقليديين سنة وأشاعرة.
ومع أن معالجات الجاحظ للمسائل النقدية جاءت متفرقة في مواضع مختلفة من كتبه، فإن لها رباطا جامعا تنتظم فيه بكثير من القوة والوضوح، فمنبع الشعرية الأول هو الطبع ابتداء، وفي هذا الصدد لا ينازع شعراء البدو أحد سواهم، ونظرية الطبائع التي فصل الجاحظ الحديث عنها في رسائله تستوعب مفهوم الشعر وعناصره، ووظيفته الجمالية والمعرفية وخصائصه الفنية، وتحدد مصادره النفسية والاجتماعية والثقافية، لكن الوظيفة الجمالية تحوز القسط الأوفر؛ فالشعر عنده، وإن كان علما ينتج معرفة من نوع خاص، إلا أنه مبني في حقيقته على جمال النسج وجودة السبك وحسن التصوير وكثرة الماء والرونق، الشعر طراز فريد من الصياغة يمتزج فيه الطبع الصافي والبديهة الغزيرة، وقوة الغريزة، والقدرة على التصرف في اللغة على نحو خاص وأساسي.
إن التركيز هنا على الصياغة هو اعتراف وإصرار بأن الشعر بناء لغوي في الأساس، وليس معنى ذلك أن اللفظ هو مكمن المزية، فذلك الفهم لن يستقيم ما دام الجاحظ يؤسس نظريته على مبدأ المقدار والمشاكلة بين الألفاظ والمعاني، والالتحام التام بينهما خدمة للصورة الشعرية الناجعة، هذا إلى الاعتراف بقيمة الحقيقة الشعرية في خدمة البيان. ولفرط هذه النزعة المذهبية الطاغية رأينا ابن قتيبة يمعن في التركيز على المعاني وعلى الفصل الحاسم بينها وبين الألفاظ الحاملة لها ردا على خصيمه وأستاذه، فكانت المعاني عنده على أربعة أضرب(الشعر والشعراء، تحقيق مفيد قميحة ومحمد الضناوي، دار الكتب العلمية-بيروت، ط2، 2005، ص13 وما بعدها) وفق ما تقرر عنده في كتاب الشعر والشعراء، فالصنف الأجود منها هو الذي يجمع جيد المعاني في جيد الألفاظ، والصنف الأقل جودة هو الذي يجمع جيد المعنى إلى رديء الالفاظ، ثم جيد الألفاظ إلى رديء المعاني، والمستوى الأخير هو ما جمع رداءة المعاني إلى رداءة الألفاظ، وقد ذكر ابن قتيبة من الشواهد ما يخدم هذا التقسيم الحاسم.
وكان توقف ابن قتيبة عند الأبيات المشهورة التي تنسب مرة لنصيب ومرة لكُثيّر مثار أسئلة وجدل بين النقاد، لربما كانت ستوجه هذا النقاش إلى التركيز أكثر على عناصر الشعر الناظمة لبنيته الخاصة لو تعمق ابن قتيبة في شرح وجهة نظره بما يكفي، ثم لو تمكن النقاد من بعده على الأقل من تأجيل النزعة المذهبية على نحو ما فعل الجرجاني ٱخر المطاف، فما يصنع الشعرية عند ابن قتيبة هو التحام خاص للألفاظ بالمعاني، وحسن الاختيار للفظ المناسب للمعنى المناسب، مع توكيده على مبدأ الطبع الذي يضع الشعراء المطبوعين في المرتبة الأعلى فنيا، على الرغم من محاولاته لتبرير الصنعة، والاعتراف بمذهب التجويد الفني الذي توجبه النظرة الموضوعية إلى بنية الشعر ذاته، بغض النظر عن زمنه وقائله وشهرته. لكن هيهات.. فالشعرية الجاهلية لها سلطان أقوى من أي سلطان يعتصم به ابن قتيبة وغير ابن قتيبة، إنها تبدو بتعبير الأستاذ أحمد أمين جناية الشعر الجاهلي على الشعر العربي، ولكن كيف نفسر وجود مدرسة الصنعة وأصحاب مذهب الحوليات والمحككات التي ظهرت مع عبيد الشعر مثل زهير والنابغة؟
لقد كان لرؤية ابن قتيبة هذه الأثر البالغ على تحريف مقاصد الجاحظ، وفي دفعها إلى دائرة الاتهام بالانحياز إلى الألفاظ، وربما كان أبو هلال العسكري (كتاب الصناعتين) أول من رسخ هذا الفهم الخطأ بشكل صريح عندما أكد في نصوصه على فكرة انحياز الجاحظ إلى الألفاظ على حساب المعاني، ومن ثم راح النقاد من بعده مثل الٱمدي وابن طباطبا والقاضي الجرجاني يهتمون بجودة السبك، ويركزون على حسن التعبير على مذهب الأوائل، فجوزوا للمحدثين السرقات في المعاني، ورفضوها في الألفاظ، وسنوا نظاما خاصا بالسرقات تحت طائلة "ما ترك الأول للٱخر" مرة، ومرة تحت مبرر أن المحنة على شعراء زمانهم أشد لأنهم سبقوا إلى كل معنى مبتكر وكل لفظ بديع كما عبر ابن طباطبا، وكانت نتيجة هذا التعاطف في صالح ترسيخ عمود الشعر، بينما نالت مدرسة المعاني التي قادها أبو تمام ومسلم بن الوليد كل اللوم والمناكفة.
إذا توقفنا عند تعاريف الشعر كما اقترحها هؤلاء لرأيناها تتقاطع في البحث عن الصيغة العلمية التي تعترف بأصالة الطبع في الشعر وبقيمة محتواه المعرفي والفني الذي يتجاوز واقعه في الوقت نفسه، وتلك ربما كانت جريرة الإفراط في الفصل بين شكل الشعر ومحتواه، وفق ما سنه لهم ابن قتيبة.
الشعر عند ابن طباطبا(ت322هـ) -وهو ناقد جاء في إثر القتبي- لا يبتعد كثيرا في جوهره عن مذهب الأوائل؛ فالشعر طبع مدعم بالتصحيح والتقويم والتثقيف حتى لا تظهر ٱثار الصنعة والتكلف، وقد أخبر في كتاب عيار الشعر أنه جمع مختارات شعرية في كتاب سماه "تهذيب الطبع" (ينظر؛ عيار الشعر: تح عباس عبد الساتر ومراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط5، ص13) كي يروض الشعراء طباعهم على قول الشعر، ويسلكون الطريق الذي سلكه الشعراء ويحذون حذوهم، فليس على الشاعر المحدث أن يخرج على طريقة الأوائل في الوصف والتشبيه والاستعارة (عيار الشعر: ص16 وما بعدها) أما مقومات الشعر فلم تكن واضحة بما يكفي -على الأقل- في ما كتبه العلوي، فقد حام حول الشعرية ولم يقع إلا على بعض عناصرها، وذلك حين تحدث عن كيفية بناء القصيدة في فصل صناعة الشعر، فبعد أن يجمع الشاعر أدوات فنه الذي يروم القول فيه، يمخض المعنى المقصود في فكره نثرا، ثم يختار له الألفاظ التي تشاكل معانيه، والقوافي التي توافقها، والوزن الذي يسلس له القول عليه، وأن يراعي في ذلك نظم الأبيات المتناسقة، بأن يستبدل مكان كل لفظة مستكرهة لفظة سهلة، ويكون في كل ذلك ((كالنساج الحاذق الذي يفوف[أي يزين] وشيه بأحسن التفويف، ويُسدّيه ويُنيرّه ولا يهلهل شيئا منه فيشينه(..) وكالنقاش(..) وكناظم الجوهر..))(عيار الشعر: ص11).
ولا ينسى ابن طباطبا أن يذكر الشاعر المحدث ببنية القصيدة العربية(عيار: ص12) ومعمارها الأصيل، فينصحه بأن يلتزم بترتيب الأغراض المشهورة على منوال الأوائل، لأنها سنة العرب التي خبرت النفوس بعد أن حنكتها التجارب، وألهمت جميل القول وأحسن التقسيم.
بشأن الفكرة الأساسية التي يدور حولها كتاب العلوي هي عيار الشعر، وهذا المعيار هو الفهم الثاقب والفهم الناقد الذي به يوزن الشعر، وبه يفحص ويمحص، فما قبله وارتضاه فهو الحسن الجميل، وما لفظه وأنكره فهو الممجوج المستكره. ركز العلوي في هذا الفصل على تفسير سر تذوقنا للنصوص الأدبية والتذاذنا بفهم الشعر، في محاولة فريدة لتفسير الأثر النفسي الذي يخلفه الشعر حين يعرض على الفهم الثاقب والذهن الصافي (عيارالشعر:ص20 وما بعدها).
قال في تعريف الشعر: ((كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع، وفسد على الذوق)) (عيار الشعر، ص09).
مفهوم الشعر عند ابن طباطبا ذو بعد تعاطفي مع الشعراء الذين عانوا محنة التجديد، ولم يجدوا معاني مخترعة جديدة؛ فقد سبقهم الأوائل إلى كل معنى جيد، ولم يتركوا لهم شيئا كثيرا إلا ما كان بابه كد الذهن بالغوص والتعمق، ومن الطبيعي أن يحس العلوي بهذه الأزمة المحدقة، فهو شاعر رقيق يشجع الشعراء، ويضع بين أيديهم أدوات صناعة الشعر وكيفية بناء المعاني الشعرية في القصيدة، وكان لمفهوم الصناعة معنى تطبيقيا مرسوما بخطوات واضحة، بغرض توجيه الشعراء إلى اقتفائها ليسلم لهم الشعر قياده.
وفي حديثه عن خصائص أشعار المولدين لا يرى لهم من مزية في شعرهم سوى الاستفادة من أشعار من تقدمهم، وتلطيف طرق تناولها من أصولها، ((وتكثروا بإبداعها فسلمت لهم عند ادعائها، للطيف سحرهم فيها وزخرفتهم لمعانيها))(عيار الشعر: ص14) وهم معذورون في ذلك لاشتداد المحنة على المولدين، وهم إنما يثابون على الإغراب في المعاني، وبلاغة النظم وأناقة النسج)) (ينظر، عيار الشعر: ص15 وما بعدها)، وذلك يعني بالضرورة أن التجويد الفني يقع على الألفاظ بحسن الصياغة والملاءمة والإغراب في المعاني، كأنه يشير إلى طريقة أبي تمام وأصحاب المعاني من طرف خفي.
أما خصيصة الوزن فلها قيمتها الفنية في تمييز جيد الشعر من رديئه، وفي تمييزه عن غيره من أنظمة التعبير الأخرى، فالوزن في الشعر له إيقاع متناغم، يطرب له الفهم لصوابه واتساقه واعتدال أجزائه ((فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الوزن تم قبوله له، واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن، وصواب المعنى، وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه))(عيار: ص21).
وخلاصة مذهب ابن طباطبا في الشعر أنه مذهب ذوقي يسعى إلى الوقوف على مباديء عقلية في تفسير عملية الإبداع وسر تجاوبنا مع النصوص الشعرية الصافية التي حازت على أهم شرائط الشعر وأركانه المستمدة أساسا من الذوق العربي العام، ومن التجربة الشعرية الطويلة التي أسست لكل الأصول الفنية والشعرية في الثقافة العربية، تلك التجرة كما استلهما ابن طباطبا في الإبداع الشعري، وتحدث عنها في كتابه النقدي.
عند الٱمدي(ت370هـ) فـــ ((ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في موضعها، وأن يورد المعاني باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف)) (نقلا عن وليد قصاب: قضية عمود الشعر في النقد العربي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2010، ص172).
وينظر الألفاظ والمعاني في الموازنة: 471-471 جهمية الأوصاف.. ومذهب الأوائل ص600).
القاضي الجرجاني(ت392هـ) نظر إلى الشعر نظرة الأوائل نفسها تقريبا؛ فهو لم يزل عنده علما ((من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر نصيبه منها نكون مرتبته من الإحسان))(الوساطة بين المتنبي وخصومه: تح محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، بيروت، دت، ص23).
تعريف القاضي الجرجاني يرتكز أساسا على فكرة الطبع التي تؤكد -كما في كتابات ابن قتيبة وابن طباطبا- انحياز الشعرية العربية إلى عبقرية الشاعر نفسه، الأمر الذي يجعل منها رؤية شاعرية كما جرت به عادة العرب في وصف الإحساس الجميل بالأشياء حين يقولون: إنها كلمة شاعرية.. وهذا المكان شاعري، وهذا موقف شاعري..إلخ كان من السهل على الجرجاني أن يتخلص بهذه الطريقة من الخصومة التقليدية بين القدماء والمحدثين بعد أن جعل القدرة الشعرية متعلقة بطبع في الشاعر أصيل، فالطبع ظاهرة ذاتية خاصة وليست لها صلة بالأصل والمنبت والنسب، إن الطبع في ثقافة النقد القديم فكرة سحرية يمكنها أن تحل كل معضلات الشعر دون أن تتعب الناقد في التنقيب عن مميزات الشعر وخصائصه الفنية الدقيقة.
يحسب للجرجاني أنه لاحظ شيئا مهما في خصائص بنية الشعر حين تنبه إلى أن ما يميز الشعر المحدث عن الشعر القديم هو اختلاف في البنية النفسية العامة للمجتمع، وفي طبيعة الاستعدادات الإبداعية الخاصة بكل جماعة تشترك في مجال ثقافي واحد، وفي عصر واحد، فعرب الجاهلية ((كانت تجري على عادة في تفخيم اللفظ وجمال المنطق لم تألف غيره، ولا أنِسها سواه، وكان الشعر أحد أقسام منطقها))(الوساطة:24). كأني بالجرجاني يفسر تفوق الجاهليين بالطبع العام الذي كانوا عليه، ذلك الذي سمحت لهم به قرائحهم، وألهمتهم به وأمزجتهم وحيواتهم البدوية بمنطقها الخاص، فكان الإبداع الشعري مشاعا، فاكتفوا بالرواية، بينما قل الطبع عند المحدثين ولأسباب موضوعية احتاجوا إلى الرواية والدراية معا؛ ذلك أن((سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة، وأنت تجد ذلك ظاهرا في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجلف كز الألفاظ، معقد الكلام، وعر الخطاب؛ حتى إنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته، في في جرسه ولهجته))(نفسه:ص25).
وخير ما يدعم به الجرجاني هذا التفسير سلاسة شعر عدي بن زيد العبادي ورقته رغم أنه جاهلي، وشدة شعر الفرزدق ووعورة ألفاظه رغم أنه شاعر إسلامي، والسبب في ذلك عنده راجع إلى تأثيرات مكان المنشأ والمربي، فعدي لازم الحاضرة وابتعد عن جفاء الأعراب، بينما لازم الفرزدق الريف واحتك بالأعراب كثيرا، فخشن لفظه وتوعرت ألفاظه، وهذه الأمور ترجع لمؤثرات المكان والبيئة ولا علاقة لها بمتقدم أو متأخر.
الظاهر من هذا التفسير الاجتماعي للعملية الإبداعية أن القاضي عبد العزيز الجرجاني يريد أن يعمق أركان نظرية الطبع، ويؤسسها على مشاهدات حية، ويبنيها على نماذج واقعية من الشعر، فلم يعد الطبع وحده كافيا لرسم نمط الشاعر، وتخطيط طريقته الشعرية الخاصة، فللثقافة والمجتمع والبيئة دورها في تحديد المذهب الشعري ورسم الاتجاه الفني لكل شاعر، لا جرم كان الشعر عند القاضي إذن جماع الطبع والرواية والذكاء والدربة، ويعني بالدربة كثرة الممارسة التي تعدي على الشعر كما عبر من قبل ابن سلام، من منطلق أن الشعر صناعة يتمرس بها الشاعر ويتدرب على إتقانها، وينطبق هذا تماما على ما فعله خلف الأحمر وحماد الراوية اللذان وضعا من الأشعار ما أتعب النقاد من بعدهما في تمييز ما لهما وما لغيرهما، وكان السبب في ذلك جودة قرائحهم وعلمهما بالشعر وتمرسهما على قرضه وانتحاله، وربما بتعبير أقرب إلى فهم القاضي أنهما جمعا بين الطبع والصنعة والرواية والدراية بفنون الشعر وصنوف القول.
هناك أمر ٱخر فطن له الجرجاني في بنية الشعر المحدث هو لين ألفاظه إذا قيست بجزالة الفاظ الأقدمين، والسبب كما يرى- يرجع إلى عوامل التحضر وميل الناس إلى اللطافة والظرف في كل شؤونهم، فأصبحوا يختارون من الألفاظ أسهلها وأقلها نبوا ((فترققوا ما أمكن، وكسوا معانيهم ألطف ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيست بذلك الكلام الأول يتبين فيها اللين فيُظن ضعفا، فإذا أفرد عاد ذلك اللين صفاء ورونقا، وصار ما تخيلته ضعفا رشاقة ولطفا))(نفسه: ص25). إنها عملية جادة انخرط فيها هؤلاء النقاد لتحديث مفهوم الطبع، وتوسيع مذهب الأوائل استنادا إلى رؤية تحليلية لعلاقة الشاعر بمحيطه، وطبيعة تكوينه النفسي، لكي تجعل من الطبع مذهبا معللا بطريقة معقولة، كي يشمل الشعر المحدث، من خلال تذليل الصعاب التي كانت تحول بينه وبين الاعتراف بخصوصيته الفنية.
بهذه الطريقة التي تبدو أكثر موضوعية ومعقولية يمكن استيعاب شعر أبي تمام وأصحاب البديع، ويكون إلحاق شعر المتنبي بعد ذلك مجرد تحصيل حاصل؛ فالمتنبي شاعر مجيد ليس فقط من أجل شعره، بل لأنه طبع على الشعر فاحترفه ومارسه وخص نفسه به حتى عرف به فطلبه الخلفاء والوزراء، وتهافتوا عليه لجودته وبراعته فيه، ولا سبيل إلى مدافعة هذا التيار المتنبيُّ الجارف.
ولكي يتحول مفهوم الطبع الذي كان بسيطا وغامضا وغير ثابت الأركان إلى نظرية في النقد تشرعن مذهب الأوائل تحت مشروع عمود الشعر، لتحفظ سنن الشعرية العربية إلى يوم الناس هذا، يضع الجرجاني اللبنات المنهجية الأخيرة من أجل صياغة الشعرية العربية صياغتها ما قبل الأخيرة (صاغ المرزوقي نظرية عمود الشعر صيغتها النهائية فيما سيأتي) في النص الٱتي: ((ولكنني ما أظنك تجد له من سورة الطرب، وارتياح النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:
أقول لصاحبي والعيس تهوي بنا بين المنيفة والضمــار
تمتـــــع مـــن شميـم عـــرار نـجـد فما بعد العشية من عرار
فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول، وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع ولا بالاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريظ)) (الوساطة: ص 33-34).
من الجميل النادر أن نعثر على فقرة منهجية محكمة مثل هذه تتحدث بشكل دقيق وواضح عن عناصر الشعرية ومقوماتها في النقد العربي القديم، ذلك على الرغم من الانحياز الواضح والمبرر إلى مذهب الطبع كما رسخته الكتابات النقدية السابقة، فكانت النتيجة هو مراكمة الخبرة النقدية، ثم صوغها في شكل مفاهيم ومقولات تعنى بشكل محدد بمعيار الشعر، وبخصائص الخطاب الشعري الناجع، فقد جمعت بين جودة الألفاظ وجودة المعاني(وهو مبدأ حسن الصياغة)، وبين سهولة المأخذ وقربه(أي وضوح المعاني الشعرية) والبعد عن التعقيد والتكلف والغموض، وبين الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه (وهي الصور الشعرية وهي عماد النظم والأسلوب لأنها طريقة خاصة في استخدام اللغة)، أما البديهة الغزيرة فهي خصوبة الخيال، وكثرة الشوارد والأمثال السائرة تعبر عن الوظيفة الفنية للشعر في المجتمع، فلا بد من ذيوع الأبيات المشهورات التي تحفظ للشاعر مكانته في المجتمع، وتضمن له الخلود والانتشار والذكر.
ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى أن ما يجعل العرب ((لا تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريظ)) كما يرى القاضي الجرجاني هو أن العرب أهل بديهة وارتجال، طباعهم جبلت على النباهة لا يجاريهم فيها الشعراء المحدثون، لأنهم تكلفوا احتذاءهم فأساؤا وأحسنوا وسموه البديع تمييزا له عن مذهب الأوائل.