سيتم التركيز في هذا المحور على ثلاث نظريات أساسية للمدرسة الحديثة، هي: نظرية النظم، مدخل الإدارة بالأهداف ونظرية Z.

1- نظرية النظم:

تنطلق أفكار نظرية النظم في الإدارة من نتائج أبحاث عالم الأحياء النمساوي الأصل Ludwig Von Bertalanffy التي وردت في كتابه المعنون بـ « النظرية العامة  للنظم» الصادر سنة 1968، وقد عبر هذا العالم عن مضامين نظريته بالقول أنه توجد في الطبيعة قوانين عامة يمكن أن تنطبق على كل النظم أيا كان حقلها التخصصي (البيولوجيا، الفيزياء، الطب، الإدارة...)، هذا ما يدفع إلى تحليل الظواهر المركبة ذات العناصر المرتبطة ببعضها البعض.

قام علماء الإدارة (مثلا: Daniel Katz، Eric Trist، Frederick Emery) بتطبيق أفكار هذه النظرية في مجال الإدارة، حيث تقوم الفكرة الأساسية لهذه النظرية على مفهوم النظام الذي يمكن تعريفه بأنه: «مجموعة من الاجزاء والانظمة الفرعية التي تعمل مع بعضها البعض بغرض تحقيق اهداف معينة» .

هذا ويوجد نوعين رئيسيين من الأنظمة هما:

-       النظام المغلق: هو الذي لا يتفاعل مع البيئة المحيطة، وقد ساد هذا الاعتقاد لدى رواد المدرسة الكلاسيكية ومدرسة العلاقات الانسانية في الادارة.

-       النظام المفتوح: هو الذي يتفاعل بشكل مستمر مع البيئة المحيطة، فيؤثر فيها ويتأثر بها، وهي النظرة المعاصرة للمؤسسة، إذ ينظر إليها كنظام مفتوح.

يتميز النظام المفتوح بمجموعة من الخصائص نذكر من أهمها ما يلي: الشمولية، التمايز، الأهداف، التوازن الحركي، الاستمرار والتكيف، التحلل والتلاشي.

تأسيسا على الأفكار السابقة يمكن تعريف المؤسسة الاقتصادية من منظور نظرية النظم: بأنها عبارة عن نظام اقتصادي واجتماعي مفتوح يتكون من مجموعة من الأنظمة الفرعية التي يعتمد كل واحد منها على الآخر، وتتداخل العلاقات بينها وبين البيئة الخارجية لتحقيق الأهداف التي يسعى إليها النظام. 

المؤسسة الاقتصادية  كنظام مفتوح تتكون من العناصر الأساسية التالية: المدخلات، العمليات، المخرجات، التغذية العكسية والبيئة الخارجية.

الشكل التالي يوضح عناصر التنظام المفتوح


يتضح مما سبق أن نظرية النظم تهتم بدراسة المؤسسة ككل بدلا من التركيز على دراسة بعض أجزائها، كما أنها توضح العلاقات المتعددة والمتشابكة بين الأنظمة الفرعية أو أجزاء المؤسسة، كما تهتم بعلاقات المؤسسة مع البيئة المحيطة بها.

2- مدخل الإدارة بالأهداف Management by objectives (MBO):

يعتبر بيتر دراكر(Peter Drucker)  أول من نادى بمفهوم الإدارة بالأهداف، وهذا في كتابه المعروف باسم (The Practice of Management) الذي ظهر للوجود عام 1954، حيث أوضح فيه دراكر أن هناك استياء كبير من قبل المديرين على طريقة تقييم أدائهم، فقد كان التقييم يركز بشكل كبير على الأعمال الروتينية التي يقومون بها ككتابة التقارير عن المرؤوسين، التقارير المالية وتقارير الإنتاج...إلخ، ومن ثم قدم دراكر منهجا جديدا لتقييم الأداء يقوم على وضع أهداف للمدراء يسعون إلى تحقيقها والاعتراف بالإنجازات التي يحققونها مع مراعاة أن تكون هذه الأهداف قابلة للقياس وممكنة التحقيق.

وقد مر مفهوم الإدارة بالأهداف بثلاثة مراحل أساسية هي:

المرحلة الأولى: تقييم الأداء

كانت الإدارة بالأهداف في هذه مرحلة الوسيلة الفعالة للتقييم الموضوعي لأداء المورد البشري، وهي تستخدم في ذلك معايير محددة لقياس الأداء ترتكز على النتائج المتوقع تحقيقها من قبل الموارد البشرية.

المرحلة الثانية: نظام التخطيط والرقابة

في هذه المرحلة تطورت الإدارة بالأهداف لتكون أحد الوسائل التي يقوم بموجبها الرئيس والمرؤوس بوضع أهداف محددة لفترة زمنية معينة مع تحديد طرق بلوغ هذه الأهداف ومعايير قياس النتائج . أي أن الإدارة بالأهداف في هذه المرحلة حاولت الإجابة على الأسئلة التخطيطية التالية: ما الذي يجب عمله؟ كيف يتم عمله؟ من يعمله؟ ما هي تكلفته؟ أما فيما يخص الأسئلة الرقابية التي حاولت الإدارة بالأهداف الإجابة عليها في هذه المرحلة هي: ما هي الأخطاء التي تم الوقوع فيها؟ ما هي أسباب هذه الأخطاء و كيف يتم تصحيحها؟

المرحلة الثالثة: المفهوم الشامل للإدارة بالأهداف:

في هذه المرحلة تطورت الإدارة بالأهداف لتصبح:

 - أسلوب شامل لتطوير الأداء؛

 - أسلوب جديد للتفكير؛                               

 - عملية شاملة تجمع الوظائف الإدارية الأربعة من تخطيط، تنظيم، توجيه ورقابة.

يمكن تعريف الإدارة بالأهداف بأنها أسلوب إداري حديث يتيح لجميع الأطراف في المؤسسة فرصة المشاركة في وضع الأهداف والسعي جماعيا لتحقيقها، وفي التقييم الذاتي للأداء وفقا للنتائج المحققة.

وتتمثل أنواع الأهداف المستخدمة في الإدارة بالأهداف فيما يلي: الأهداف الاستراتيجية، الاهداف التكتيكية والأهداف التشغيلية.

وحتي تكون الأهداف جيدة ينبغي أن تتصف بمجموعة من الخصائص تجمعها كلمة SMART وهي: محددة (Specific)، قابلة للقياس (Mesurable)، متفق عليها (Agreed)، واقعية (Realistic)، محددة بوقت (Timely).

وترتكز الإدارة  بالهداف على مجموعة من المبادئ هي:

-       للمورد البشري أهمية كبيرة داخل المؤسسة، وهو يحب العمل ويندفع إليه كما أنه قابل للتطوير وذو قدرة عالية على الإبداع والابتكار؛

-       تركز الإدارة بالأهداف على النتائج و ليس على الأنشطة، فالنتائج هي التي تجمع وتوجه الجهود في المؤسسة؛

-       يزيد التزام الرؤساء والمرؤوسين بتحقيق الأهداف التنظيمية كلما كانت واضحة ولا تتعارض مع مصالحهم الشخصية؛

-       يتم النظر إلى المؤسسة على أنها نظام متكامل تسعى جميع عناصره إلى تحقيق الهدف المشترك الرئيسي للمؤسسة؛

-       إن الإدارة عملية ديناميكية تستدعي تحديد أهداف مرنة تتناسب مع الظروف البيئية المتغيرة.

ويمر تطبيق نهج الإدارة بالأهداف بالمراحل التالية:

-       المرحلة الأولى: الصياغة المشتركة للأهداف: يقوم كل من الرؤساء والمرؤوسين بصياغة الأهداف وهذا من خلال: تحديد نطاق الأهداف؛ تحديد معايير قياس الأداء؛ تحديد وسائل تحقيق الأهداف.

-       المرحلة الثانية: تنفيذ المهام: في هذه المرحلة يتم تنفيذ الخطط الموضوعة سابقا، وهذا بتوزيع المهام على مختلف الموارد البشرية في المؤسسة.

-       المرحلة الثالثة: تقييم الأداء الكلي: وهي تمثل الخطوة الأخيرة في عملية الإدارة بالأهداف، وهنا يتم تقييم الأداء الكلي للمؤسسة ( الأداء المالي، أداء الموارد البشرية، ...إلخ) للتأكد من تحقق النتائج المطلوبة، ويكون ذلك من خلال   مقارنة ما تم إنجازه فعلا مع ما كان مخطط له. وفي حالة وجود انحرافات سلبية يتم تصحيحها وتفاديها مستقبلا أما في حالة وجود انحرافات إيجابية يتم تدعيمها بعد التأكد من موضوعيتها.

3-   نظرية Z  لـ  William Ouchi

ظهرت نظرية Z على يد المفكر الأمريكي الجنسية الياباني الأصل William Ouchi عام 1981، مستمدة مقوماتها الفكرية من التجربة اليابانية في الإدارة المبنية على ثلاثة مرتكزات أساسية هي: الثقة، المهارة والمودة.

وقد قامت نظرية Z على أساس تحديد الأسباب التي جعلت الشركات اليابانية تحقق معدلات أداء أعلى مقارنه بالشركات الأمريكية، والتي أرجعها Ouchi أساساً إلى براعة الشركات اليابانية في إدارة المورد البشري.

يمكن توضيح الاختلافات الاساسية ما بين الإدارة اليابانية(J)  والإدارة الأمريكية (A)  وفقا لمعطيات نظرية Z في الجدول التالي:

مقارنة بين الإدارة اليابانية والإدارة الأمريكية

وقد عمد William Ouchi  إلى إيجاد نظرية في الادارة تُعمّم بقدر الامكان الطريقة اليابانية وتصلح للتطبيق في منظمات وبيئات خارج اليابان (خاصة البيئة الأمريكية) أسماها نظرية (Z)، والتي تتصف بالخصائص التالية:

-       التوظيف الطويل الاجل؛

-       اتخاذ القرارات بشكل جماعي؛

-       المسؤولية الفردية؛

-       يتم التقويم والترقية بصورة بطيئة؛

-       رقابة ضمنية مع تحديد واضح للضوابط والمعايير التي يتم ﺑها قياس وتقييم النتائج؛

-       مسار وظيفي متخصص بدرجة معتدلة؛

-       الاهتمام الشمولي بالعامل داخل وخارج المؤسسة.

3- إسهامات المدرسة الحديثة للإدارة والانتقادات الموجهة لها:

في آخر هذا المحور يمكن القول أن المدرسة الحديثة للإدارة ممثلة بنظرية النظم، الإدارة بالأهداف ونظرية z، قدمت العديد من الإسهامات للفكر الإداري نذكر من أهمها:

-       النظر للمؤسسة على أنها نظام اقتصادي واجتماعي مفتوح شامل ومتكامل؛

-       أبرزت أهمية تحليل المتغيرات البيئية التي تؤثر على أداء المؤسسة، مما يساعد في اتخاذ القرارات المناسبة؛

-       لفتت النظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمورد البشري في نجاح المؤسسات؛

-       عززت التواصل والتعاون بين الإدارة والعاملين؛

-       لفتت النظر إلى أهمية امتلاك المدير للمهارات التصورية (الفكرية) إلى جانب المهارات الفنية والإنسانية؛

في المقابل تعرضت المدرسة الحديثة للإدارة لمجموعة من الانتقادات نذكر من أهمها:

-       اعتبار نظرية النظم مجردة وصعبة التطبيق في الواقع العملي، بالإضافة إلى تركيزها المفرط على التوازن وتجاهل الديناميكيات والصراعات؛

-       التركيز المبالع للإدارة بالأهداف على تحقيق الأهداف الكمية على حساب الجوانب النوعية والبيئية؛

-       صعوبة تطبيق نظرية Z في ثقافات غير يابانية، حيث استندت بشكل كبير على ممارسات إدارية خاصة بالثقافة اليابانية.

مراجع المحور الرابع:

-       إدريس ثابت عبد الرحمن، إدارة الأعمال: نظريات ونماذج تطبيقية، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2005.

-       حريم حسين، مبادئ الإدارة الحديثة: النظريات، العمليات الإدارية ووظائف المنظمة، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، 2006.

-       حمود خضير كاظم واللوزي موسى سليمة، مبادئ إدارة الأعمال، إثراء للنشر والتوزيع، عمان، 2008.

-       حنفي عبدالغفار والصحن محمد فريد، إدارة الأعمال، الدار الجامعية للطباعة والنشر، الاسكندرية، 1991.

-       الصيرفي محمد عبد الفتاح، مفاهيم إدارية حديثة، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان، 2003

-       طه طارق، إدارة الأعمال : منهج حديث معاصر، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2007.

-       العامري صالح مهدي محسن والغالبي طاهر محسن منصور، الإدارة والأعمال، الطبعة الرابعة، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، 2014.

-       شاطر شفيق، أثر ضغوط العمل على الرضا الوظيفي للموارد البشرية بالمؤسسة الصناعية : دراسة ميدانية بمؤسسة إنتاج الكهرباء - سونلغاز- جيجل، مذكرة ماجستير، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة بومرداس، 2010.

-       عباس علي أساسيات علم الإدارة، الطبعة الأولى، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، 2004.

-       القريوتي محمد قاسم، مبادئ الإدارة: النظريات والعمليات والوظائف، الطبعة الثالثة، المكتبة الوطنية، عمان، 2006.

-      Robbins Stephen et al, Management : L’essential des Concepts et Pratiques, 7ed, Traduction de Pierre –Olivier Dauphis et al, Pearson Education France, Paris, 2011,

-      Daft Richard and Marcic Dorothy, Understanding Management, 5th Edition, Thomson South-Western, USA, 2006

-      Marie-Georges Filleau, Clotilde Marque-Rippoul, les théories de l’organisation et de l’entreprise, édition Marketing, Paris, 1999