1- نشأة وتطور إدارة المعرفة

لإدارة المعرفة مسار تاريخي مزدوج، فهي تمثل في آن واحد جزءًا من التراث الفكري القديم وجزءًا من التوجهات الحديثة في علوم الإدارة؛ من حيث التراث الفكري، يمكن تتبع جذور الاهتمام بالمعرفة إلى مئات السنين، إذ تطرقت العديد من الفلسفات القديمة إلى مسألة المعرفة وكيفية استخدامها، وقد ظهرت العديد من النظريات الفلسفية التي تناولت دور المعرفة في تقدم المجتمعات وتحقيق الرفاهية الإنسانية. أما من حيث تطور المفهوم في السياقات المؤسسية، فإن الاهتمام بدراسة إدارة المعرفة داخل المنظمات يعتبر حديثًا نسبيًا، إذ تشير الأدبيات إلى أن المفكر الإداري بيتر دراكر (Peter Drucker) كان من أوائل من نبهوا إلى أهمية المعرفة في السياق المؤسسي، وذلك في مقاله الموسوم بـ: (The Coming of the New Organization) الذي نُشر في عام 1988، حيث أشار فيه إلى ضرورة التعامل مع المعرفة كمورد استراتيجي لتعزيز القدرات الابتكارية والتنافسية للمؤسسة.

من أبرز الأعمال العلمية أيضا التي ساهمت في تعزيز وتوسيع نطاق الاهتمام بإدارة المعرفة نجد الكتاب الموسوم بـ "الشركة المنشأة بالمعرفة: كيف تخلق الشركات اليابانية الديناميكية الابتكارية" (The Knowledge-Creating Company: How Japanese Companies Create the Dynamics of Innovation) الذي نشراه الباحثان اليابانيان نوناكا وتاكوتشي (Nonaka & Takeuchi) عام 1995، إذ يُعتبر هذا الكتاب حتى اليوم مرجعًا أساسيًا في مجال إدارة المعرفة، حيث قدّم رؤية شاملة لكيفية تطوير بيئة مؤسسية تدعم إنشاء ونقل المعرفة داخل المنظمات، وسلط الضوء على أهمية الابتكار وخلق المعرفة كجزء أساسي من نجاح الشركات، لا سيما في ظل التنافسية العالمية المتزايدة.

2- مفهوم إدارة المعرفة

نتناول في هذا العنصر تعريف المعرفة، خصائصها وتعريف إدارة المعرفة.

أ- تعريف المعرفة

 تعرف المعرفة لغة حسب قاموس راندوم هاوس (Random House) بأنها: " عملية الإطلاع على الوقائع والحقائق، والفهم الواضح والمؤكد للأشياء".

أما اصطلاحا فيعرفها عالم الإدارة الياباني (Nonaka) بأنها: " معتقد صحيح مبرر ومنطقي يقوم على أساس أن المعرفة عملية إنسانية ديناميكية لتعديل المعتقدات التي يؤمن بها الفرد، أو مجموعة من الأفراد بحيث تكون تلك العملية مبررة، ويتم إنشاؤها من خلال تفاعل نوعي المعرفة المعلنة والضمنية".

وتعرف أيضا بأنها " مزيج من الخبرات والمعلومات، وتتضمن عوامل بشرية وغير بشرية مثل الحقائق والمعتقدات والرؤى والمفاهيم والأحكام والتوقعات والمهارات والبراعة".

استنادًا إلى ما تم عرضه، يمكن تعريف المعرفة على أنها مزيج معقد من المعلومات والخبرات التي يكتسبها الأفراد أو الجماعات عبر الزمن، إذ تمثل المعرفة تراكمًا مستمرًا من التعلم الذي ينشأ من التفاعل مع البيئة والمواقف المختلفة، وهي عملية ديناميكية بامتياز، تتشكل وتتكيف باستمرار استجابة للخبرات والتغيرات المحيطة.

ب- خصائص المعرفة

تتمتع المعرفة بعدد من الخصائص الأساسية التي تميزها عن غيرها من الموارد داخل المؤسسات، ومن أبرز هذه الخصائص ما يلي:

-       المعرفة يمكن أن تولد: تتمتع المؤسسات بقدرة على إنشاء معرفة جديدة من خلال الأفراد المبدعين الذين يمتلكون مهارات وطاقات إبداعية متميزة؛ هؤلاء الأفراد قادرون على تطوير أفكار وحلول مبتكرة تعزز من قدرة المؤسسة على التكيف والتجديد، مما يساهم في تعزيز الابتكار والنمو.

-       المعرفة قابلة للتلاشي: تُعتبر المعرفة قابلة للتلاشي، خاصة إذا فقدت من قبل الأشخاص الذين يمتلكونها، مثلما يحدث في حالات التقاعد أو الوفاة، لذلك، تتزايد أهمية تسجيل المعرفة أو نقلها للأفراد الآخرين لضمان ديمومتها واستمرار استفادة المؤسسة منها.

-       المعرفة يمكن أن تمتلك: يمكن للأفراد أو المؤسسات امتلاك المعرفة من خلال عملية التعلم المستمر أو من خلال الحصول على حقوق الملكية الفكرية مثل براءات الاختراع أو تراخيص الاستغلال، وهذا النوع من المعرفة يمكن أن يساهم في تعزيز قدرة المؤسسة على تحقيق مزايا تنافسية على المدى الطويل.

-       المعرفة يمكن أن تخزن: يمكن تخزين المعرفة على وسائط خارجية سواء كانت ورقية أو إلكترونية، مما يجعلها قابلة للتوثيق والحفظ، وعند تخزين المعرفة بهذه الطريقة، تتحول إلى معرفة صريحة ومنظورة، مما يسهل تداولها بين الأفراد داخل المؤسسة ويضمن استخدامها في المستقبل.

-       المعرفة متجذرة في الأفراد: لا تقتصر المعرفة على المعلومات الصريحة التي يمكن توثيقها فقط، بل هناك نوع آخر يعرف بالمعرفة الضمنية، والتي تكون عميقة الجذور في عقول الأفراد، هذه المعرفة تتعلق بالمهارات العملية، الخبرات الشخصية، والقيم التي يتم اكتسابها من خلال التجربة، والتحدي الأكبر للمؤسسات هو كيفية تحويل هذه المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة ومنظورة يمكن توثيقها ومشاركتها مع الآخرين.

ج- تعريف إدارة المعرفة

يعتبر دون مارتشون (Don Marchand) أول من استخدم مصطلح وتسمية إدارة المعرفة في الثمانينات من القرن العشرين. وفيما يلي نورد أهم التعاريف المقدمة لإدارة المعرفة:

يعرف نيومان (Newman) إدارة المعرفة بأنها " مجموعة من العمليات التي تتحكم وتخلق وتنشر وتستخدم المعرفة من قبل الممارسين لتزويدهم بالخلفية النظرية المعرفية اللازمة لتحسين نوعية القرارات وتنفيذها".

وتعرف أيضا بأنها: عملية يتم بموجبها تجميع واستخدام الخبرات المتراكمة من أي مكان في الأعمال، سواء كان في الوظائف أو قواعد البيانات أو عقول العاملين، لإضافة القيمة للشركة من خلال الإبداع والابتكار وتكامل المعرفة.

وتعرف أيضا بأنها: " بيئة تعلم من شأنها تشجيع توليد كل من المعرفة الشخصية والمعرفة التنظيمية، وتجميعها واستخدامها وإعادة استخدامها سعياً نحو تحقيق وإضافة قيمة للأعمال".

استنادًا إلى ما تم ذكره سابقًا، يمكن تعريف إدارة المعرفة على أنها مجموعة من العمليات المتكاملة التي تهدف إلى توليد المعرفة، تخزينها، نشرها، وتطبيقها ضمن سياق مؤسسي، وتشمل هذه العمليات جميع الأنشطة اللازمة لضمان أن المعرفة تُدار بطريقة استراتيجية تساهم في تحسين أداء المؤسسة.

3- أهمية وأهداف إدارة المعرفة

نتناول في هذا العنصر أهمية وأهداف إدارة المعرفة.

أ- أهمية إدارة المعرفة

تتجلى أهمية إدارة المعرفة في المؤسسات من خلال دورها الحيوي في إزالة القيود التنظيمية التي قد تعيق النمو والتطور، وذلك عبر إعادة الهيكلة وتنظيم العمليات بطريقة أكثر مرونة وكفاءة، هذه العملية تُمكِّن المؤسسات من التكيف مع التغيرات المستمرة في بيئتها الداخلية والخارجية، مما يعزز قدرتها على الاستجابة السريعة للتحديات والفرص التي تطرأ على السوق.

علاوة على ذلك، تُسهم إدارة المعرفة بشكل كبير في تحسين الأداء المالي للمؤسسة، حيث توفر أدوات وموارد تساعد في اتخاذ قرارات استراتيجية مدروسة تدعم النمو المستدام، كما أن إدارة المعرفة ترفع من رضا العاملين وولائهم، من خلال توفير بيئة عمل تشجع على التعلم المستمر والتطوير المهني، مما يساهم في تعزيز روح التعاون والمشاركة داخل الفرق.

من جانب آخر، تساهم إدارة المعرفة في تحسين الوضعية التنافسية للمؤسسة، وذلك عبر التركيز على الأصول غير الملموسة مثل الخبرات والابتكارات والمهارات، والتي يصعب تقليدها أو محاكاتها من قبل المنافسين، هذا يجعل للمؤسسة ميزة تنافسية مستدامة تُمكّنها من التفوق في سوق العمل.

ب- أهداف إدارة المعرفة

تسعى إدارة المعرفة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تساهم في تعزيز الأداء المؤسسي، وأبرزها:

-       جمع المعرفة من مصادرها المتنوعة وتخزينها واستخدامها بشكل فعال داخل المؤسسة.

-       خلق بيئة تنظيمية تشجع على التعلم المستمر وتبادل المعرفة، مما يرفع من مستوى معرفة الأفراد داخل المنظمة؛

-       جذب رأس المال البشري واستخدامه في حل المشكلات التنظيمية وتحقيق الابتكار؛

-       تحديد المعرفة الأساسية التي تدعم العمليات الحيوية للمؤسسة، ووضع استراتيجيات للحصول عليها وحمايتها؛

-       تحويل المعرفة المخزنة في عقول الأفراد (المعرفة الضمنية) إلى معرفة قابلة للتوثيق والتطبيق الفعلي؛

-       زيادة العوائد المالية من خلال استثمار الاختراعات والمعرفة المحفوظة داخل المؤسسة؛

-       تعزيز قيمة الأعمال من خلال التخطيط استراتيجي، تحسين الجودة العملياتية، تطوير الكوادر البشرية، إدارة علاقات الزبائن، وتقييم الأداء.

4- العمليات الجوهرية لإدارة المعرفة

لا يوجد اتفاق موحد بين الباحثين حول عدد عمليات إدارة المعرفة أو تسمياتها وترتيبها. وبناءً عليه، سنقتصر على استعراض العمليات الأساسية التي حددها مرتنس وزملاؤه (Mertins et al.) في دراستهم المنشورة عام 2001، والتي يتم توضيحها في الشكل التالي:

الشكل (1): العمليات الجوهرية لإدارة المعرفة

فيما يلي شرح مختصر لتلك العمليات:

أ‌-     توليد المعرفة: تمثل هذه العملية إنتاج أو الحصول على المعرفة بطرق متعددة، ومنها:

-       الأسر (Capturing) : استخراج المعرفة الضمنية الموجودة في عقول الأفراد.

-       الشراء: الحصول على المعرفة عبر الشراء المباشر أو تراخيص الاستغلال.

-       الإبداع: توليد معرفة جديدة وغير مألوفة.

-       الاكتشاف: الوصول إلى معرفة موجودة ولكن غير متاحة أو غير معروفة بعد.

-       الامتصاص: فهم واستيعاب المعرفة الظاهرة أو الصريحة.

-       الاستحواذ: اكتساب المعرفة من خلال البحث والتطوير.

ب- خزن المعرفة: تشير هذه العملية إلى حفظ المعرفة سواء في وسائط ورقية أو إلكترونية، ومن المهم هنا مراعاة حماية المعرفة، وذلك من خلال التأكيد على حماية الملكية الفكرية، حقوق النشر، براءات الاختراع، والقوانين المتعلقة بتراخيص الاستغلال.

ج- توزيع المعرفة: تشمل هذه العملية نقل المعرفة بين الأفراد والجماعات داخل المؤسسة من خلال التقاسم والتبادل والمشاركة؛ وإذا كانت عملية توزيع المعرفة الصريحة أسهل نسبيًا للمؤسسات، بفضل تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإن توزيع المعرفة الضمنية، التي تتواجد في عقول الأفراد من خلال الخبرات والمهارات الخاصة، لا تزال تشكل تحديًا كبيرًا لمدراء المؤسسات، لأنها تتطلب آليات متقدمة، مثل بناء ثقافة تواصل فعالة، استخدام أساليب تعليمية مبتكرة، وتوفير بيئة تشجع على التعاون وتبادل الخبرات بين الأفراد.

د- تطبيق المعرفة: تشير هذه العملية إلى الاستخدام الفعّال للمعرفة في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت والمكان المناسبين، سواء كان ذلك في اتخاذ القرارات الاستراتيجية أو التكتيكية أو التشغيلية. إضافة إلى ذلك، تُعد المعرفة أساسية في تنفيذ المهام الروتينية بشكل أكثر كفاءة، إذ تساهم في تحسين أساليب العمل وتقليل الأخطاء، مما يعزز القدرة على تحقيق التميز التشغيلي داخل المؤسسة.

5- متطلبات إدارة المعرفة

لتحقيق تطبيق فعّال لإدارة المعرفة داخل المؤسسات، هناك عدة متطلبات أساسية يجب توفيرها لضمان نجاح هذه العملية، وهي:

-       الثقافة التنظيمية الداعمة للمعرفة: لابد من تطوير ثقافة تنظيمية إيجابية تشجع على المشاركة والتعلم المستمر والإبداع، ويجب أن تكون هذه الثقافة محفزة للجميع للتفاعل مع المعرفة، وتبادل الأفكار، وتعزيز التعاون الجماعي داخل المؤسسة.

-       البنية التحتية التكنولوجية: من الضروري توفير التكنولوجيا اللازمة لإدارة المعرفة، والتي تشمل الحواسيب، البرمجيات، محركات البحث الإلكترونية، وجميع الأدوات الرقمية التي تدعم جمع، تخزين، وتحليل المعرفة، حيث تُعتبر هذه الأدوات ضرورية لتسهيل تدفق المعرفة عبر المؤسسة وضمان وصولها للأشخاص المعنيين في الوقت المناسب.

-       الموارد البشرية ذات الكفاءة العالية: تُعد الموارد البشرية من أهم مقومات نجاح تطبيق إدارة المعرفة، حيث يتطلب الأمر توافر أفراد ذوي مهارات عالية ومعرفة تخصصية، هؤلاء الأفراد هم الذين يقومون بتوليد المعرفة، تخزينها، توزيعها، وتطبيقها ضمن السياقات المناسبة، مما يعزز من قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

-       الهيكل التنظيمي المرن: من الضروري أن يتم تصميم الهيكل التنظيمي بطريقة تشجع على تحرير المعرفة، بحيث لا يتم تقييد تدفقها داخل المنظمة؛ ويتطلب ذلك تبسيط الإجراءات والعمليات المتعلقة بإدارة المعرفة لضمان سهولة الوصول إليها ومشاركتها بين الأفراد في مختلف المستويات داخل المؤسسة.

-       القيادة الإدارية الموجهة نحو المورد البشري: يتعين على القيادات الإدارية تبني أسلوب قيادي يُركز على الإنسان، حيث يعمل القائد على تحديد الرؤية المستقبلية للمؤسسة، ويخلق بيئة تحفّز الموظفين لتحقيق تلك الرؤية، كما يلعب القائد دورًا محورياً في ترسيخ قيم التميز وتعزيز السلوكيات المتميزة بين الموظفين، مما يساهم في نشر ثقافة التفوق والاستمرارية في الأداء.

مراجع المحور التاسع

-       عليان ربحي مصطفى، إدارة المعرفة، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2008.

-       الجاموس عبد الرحمن، إدارة المعرفة في منظمات الأعمال، دار وائل للنشر، عمان، 2013

-       نجم عبود نجم، إدارة المعرفة : المفاهيم والاستراتيجيات والعمليات، الطبعة الثانية، الوراق للنشر والتوزيع، عمان، 2008

-       العلي عبد الستار، قندليجي عامر والعمري غسان، المدخل إلى إدارة المعرفة، الطبعة الثانية، دار المسيرة، عمان، 2009

-       الكبيسي صلاح الدين، إدارة المعرفة، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، 2005

-       طيطي خضر مصباح اسماعيل، إدارة المعرفة: التحديات والتقنيات والحلول، دار الحامد، عمان، 2010

-       شاطر شفيق، محاضرات في تسيير المؤسسة، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة جيجل، 2018/2019

-     Parsons Mathew, Effective Knowledge Management for Law Firms, Oxford University Press, New York, 2004